«المندبة» السنوية التي تقام في ذكرى الخامس من يونيو أقيمت في موعدها والحمد لله!! والاهتمام هذا العام كان مضاعفاً لأسباب كثيرة.. فالذكرى هي الأربعين للهزيمة التي مازالت تعيش فينا ويراد لها أن تظل كذلك إلى أبد الآبدين.

والذكرى تأتي في ظل ظروف هي الأسوأ في تاريخ العرب الحديث حيث الصراع على مستقبل المنطقة يجري بين مشروع أميركي - إسرائيلي من جهة، وطموح إيراني من جهة أخري، بينما تركيا تترقب، وأوروبا تنتظر حصتها، أما العرب فيكتفون بالفرجة أو بالاقتتال الداخلي أو بانتظار المعجزة التي تكفل لهم ولو مجرد البقاء على قيد الحياة دون دور فاعل أو مستقبل حقيقي!!

وإذا كان البعض مازال يتعامل مع الخامس من يونيو بعد أربعين عاما من منطلق الثأر من عبدالناصر، فلا بأس في ذلك، لانه يثبت أن الرجل كان بالفعل هو التعبير الحي عن ضمير الأمة وهو يقود معاركها من اجل الحرية والعدل والتقدم، ولأنه يثبت أن أعداء الأمة مازالوا يدركون أن ما يمثله عبدالناصر مازال الخطر الذي يجب محاصرته حتى لا تستعيد الأمة وعيها بوحدة مصيرها وبضرورة امتلاكها لمشروع للنهضة التي تملك كل مقوماتها ومع ذلك يتم تبديدها من جانبنا بانتظام واقتدار شديدين!

وإذا كان البعض مازال يتعامل مع الخامس من يونيو انطلاقاً من الثأر من القومية العربية وتحميلها مسؤولية ما حدث، ثم باعتبار الهزيمة - وكل هزيمة تالية - هي هزيمة لهذه القومية تستدعي إعلان التخلي عنها واستخراج شهادة الوفاة لها.. فإن هؤلاء يتناسون أن النظام الذي انهزم في يونيو 67 هو نفسه النظام الذي رفض الهزيمة وعاد للقتال بعد أيام، وأعاد بناء الجيش من الصفر، وخاض حرب الاستنزاف ثم ثأر لنفسه وللعرب في حرب 73. والتي كانت حرباً «قومية» بجدارة استخدام فيها العرب سلاح البترول لأول وآخر مرة، واضطرت إسرائيل للحرب على أكثر من جبهة، وخرج العرب منها - رغم وقوف أميركا بكل قوتها مع العدو الإسرائيلي - وهم يمثلون قوة يحسب حسابها.

وإذا كان البعض مازال يتعامل مع الخامس من يونيو من زاوية أنها نتيجة عداء غير مبرر من جانبنا نحو الولايات المتحدة (وبالتالي نحو إسرائيل) واننا إذا كنا قد اعترافنا في النهاية بأن 99% من أوراق اللعبة في المنطقة بأيدي أميركا.. فلماذا كان العداء ولماذا لا نحاكم (ولو بأثر رجعي) هؤلاء الذين تسببوا فيه؟! إلا أن هؤلاء يتناسون أننا لم نبادر بإعلان العداء لأميركا، وبعض هؤلاء الذين يتحدثون بهذا المنطق الآن سبق لهم أن اتهموا عبدالناصر نفسه بأنه «عميل» لأميركا أو صنيعة لها!! واستدلوا على ذلك بمحاولاته في بداية الثورة لإقامة علاقات طيبة مع أميركا، وهي المحاولات التي ارتطمت باشتراط أميركا قبو له الصلح مع إسرائيل ودخوله في الأحلاف التي كانت أميركا تقيمها للسيطرة على المنطقة، وتخليه عن الشعوب العربية التي تكافح من أجل استقلالها من المحيط إلى الخليج. وعندما رفض عبدالناصر كان إعلان الحرب عليه من جانب أميركا حتى النهاية.

لكن هذا كله أصبح يمثل الجانب «الفولكلوري» من حفلة اللطم على الخدود التي تقام في الخامس من يونيو في كل عام. وهو أمر لا ينبغي أن يجعلنا نغمض العيون عن قضايا أخطر يتم توظيف ما أشرنا إليه في خدمتها، قضايا تستهدف أن يظل حاضر الأمة ومستقبلها رهناً بلحظة واحدة في عمرها هي تلك اللحظة في الخامس من يونيو 67.

في67 كانت الهزيمة التي لم يتوقعها أحد في عالمنا العربي (إلا الذين كانوا مشاركين في المؤامرة بالطبع!).. صحيح أنه تم اعتبارها «نكسة» ولكن الجماهير التي خرجت في 9 و10 يونيو في كل الشوارع العربية كانت تعرف أنها «هزيمة» وكانت تؤمن في الوقت نفسه بقدرتها على الثأر منها، وعندما خرجت بعض النظم العربية تبدي الشماتة فيما حدث، خرج عبدالناصر في واحدة من أكثر لحظات عمره ألما وغضباً يعلن للشامتين أننا انهزمنا لأننا كنا نحارب على مدى خمسة عشر عاماً من اجل الأمة العربية وأن كل أمة معرضة للهزيمة، والمهم ألا تنكسر إرادتها وألا تسلم للعدو. وعندما خرجت الخرطوم بعد ذلك لتستقبل القائد «المهزوم» هذا الاستقبال الأسطوري كان لابد أن تكون القمة العربية قريبة من شارع يرفض الهزيمة، وان تعلن لاءات الخرطوم الشهيرة، وأن تقرر دعم دول الطوق حتى تعيد بناء قواتها العسكرية.

هذه لحظة من التاريخ تجاوزتها الأمة بشجاعة حتى ثأرت لنفسها في حرب 73، ومع ذلك مازلنا نقوم بتحميل ما حدث في يونيو 67 مسؤولية كل ما جرى للأمة من نكبات على مدى أربعين عاما.. من كامب ديفيد وخروج مصر من الصراع العربي - الإسرائيلي، إلى الحرب الأهلية في لبنان، إلى سقوط أول عاصمة عربية تحت الاحتلال الإسرائيلي ،إلى كارثة غزو صدام الكويت، إلى أوسلو وملحقاتها التي انتهت بالوضع الفلسطيني إلى الحرب الأهلية والصراع على سلطة وهمية، إلى مأساة العراق، إلى تقسيم السودان، إلى أزمة لبنان، إلى تحولنا من أمة كانت قبل أربعين عاما تقاتل من أجل حريتها واستقلالها ونهضتها ،وتنكسر وتنتصر ولكنها لا تستسلم، إلى أمة تتلقى الهزائم وتعيش النكبات فتكتفي بحمد الله على نعمة البقاء على قيد الحياة، ثم تنتظر الخامس من يونيو كل عام لتقيم «المندبة» وتلطم الخدود على ما كان.. وما سيكون!!

من يقرأ مذكرات كيسنجر عن حرب 73 وكان وزيراً للخارجية الأميركية وقتها، يدرك كيف كان الرجل مستريحاً في البداية إلى الهزيمة الساحقة التي ستلحقها إسرائيل بالعرب، ثم كيف تغير الموقف عندما فوجئ بحجم الإنجاز العربي، وكيف أصبح الهدف الأميركي هو الا يحقق العرب انتصاراً بأي حال.. ليس لأنه لا ينبغي للسلاح السوفييتي أن ينتصر على السلاح الأميركي كما كان يدعي لكي يجند إمكانيات أميركا بكاملها في خدمة إسرائيل، لأنه يعلم كذب هذا الادعاء، ولأنه قبل أن ينهزم السلاح الأميركي في فيتنام ولكنه هنا كان يعرف أن انتصاراً كاسحا للعرب يعني أن تاريخا «جديدا» للمنطقة سوف يكتب بأيدٍ عربية، وعندما توقفت الحرب دون ان يتحقق ما ارادته أميركا حيث كانت تخطط مع إسرائيل لتدمير معظم الجيش المصري لولا التحرك السوفييتي الذي وضع العالم على شفا حرب نووية جديدة.. عندما حدث ذلك كان التحرك الأميركي مستخدماً كل الإمكانيات من أجل تحقيق أهداف في مقدمتها: فك التحالف العربي الذي خاض حرب أكتوبر، ثم إقناع السادات بإعطاء أوراق اللعبة لأميركا، ومن ثم الدخول في الصلح المنفرد مع إسرائيل.

والمهم في كل ذلك أن تعود هزيمة 67 لتكون هي الأساس، وأن يكون انتصار أكتوبر مجرد حادث عابر، لأنه لو حدث العكس وأدركت الأمة أن ما حققته في أكتوبر هو الوضع الطبيعي، ولو استطاعت أن تبني على هذا الإدراك رؤيتها الجديدة لما بعد أكتوبر لكان ذلك هو التهديد الأكبر لمصالح الأعداء.

أمر آخر كان يجري العمل عليه طوال أربعين عاما، وهو محاولة تثبيت لحظة الهزيمة في الخامس من يونيو وكأنها القدر الذي لا فكاك منه، والمصير الذي ينبغي أن تقبله الشعوب العربية وتبني مستقبلها على أساسه بيقين كامل أنها أمة خلقت للهزيمة.. ومن ثم للاستعباد!

وهكذا كان المخطط أن يتم إجهاض كل انتصار عربي... من أكتوبر 73 إلى لبنان في الصيف الماضي، وأن تظل صورة «العدو» هي صورة القوة التي لا تقهر والقادرة على تكرار الخامس من يونيو في كل لحظة. وهذا هو المأزق الذي تواجهه أميركا بعد كارثتها في العراق، والذي تواجهه إسرائيل بعد فشلها في حرب لبنان.

ومن هنا فإن أميركا - مهما كانت خسارتها - ستظل تبحث عن خروج مشرف من العراق، وإسرائيل وحلفاؤها لن يتركوا لبنان إلا بإغراقه في الفوضى، ولن يتركوا العالم العربي وهو يشعر بقدرته على الانتصار لأن هذا هو الخطر الأكبر.

ويرتبط بذلك المحاولة المستمرة لتثبيت واقع يترك مصير المنطقة بغير أيدي العرب. وهذا هو جوهر المعركة التي تدور منذ نصف قرن ومنذ نهاية الاستعمار القديم وحصوله الدول العربية على استقلالها. فقد كانت السياسة الأميركية في ظل سعيها لوراثة الاستعمار القديم ترتكز على عدة محاور أهمها انه لا مكان للعرب كأمة واحدة تسعى للنهضة والتقدم، وأن المنطقة ينبغي أن تحكم بأحلاف تسيطر عليها القوميات غير العربية المتحالفة مع أميركا من أجل إخضاع العرب.

وهكذا كان هناك مكان لإيران الشاه ولتركيا وحتى لباكستان في الأحلاف العسكرية التي سعت أميركا لضم الدول العربية إليها كأطراف صغرى خاضعة للإرادة الخارجية، وهي الفكرة التي قاومتها مصر عبدالناصر وأسقطتها، فكان الرد هو العداء الذي وصل أوجه في عدوان 67.

ربما كانت العسكرية المصرية هي الجهة الأساسية التي امتلكت رؤية واضحة تجاه هذه القضية. عقب هزيمة 67 كان القرار الذي لا نقاش حوله هو الثأر من الهزيمة.

وكان الشهيد عبدالمنعم رياض لا يخشى شيئاً في هذه الفترة إلا أن تتم تسوية سياسية أو تنسحب إسرائيل من سيناء دون قتال، كان يعتبر الانتصار في الحرب على إسرائيل ليس ثأراً للهزيمة، بل هو ضرورة حياة لمصر وللأمة العربية حتى تستعيد توازنها وتحقق نفسها من جديد.

وبعد حرب 73 ومحاولة استخدامها من البعض في صراعات سياسية داخلية كانت رؤية العسكرية المصرية الرسمية اننا دخلنا حرباً في 67 أنهيناها بالانتصار في 73. وفي الطريق خسرنا جولات وكسبنا جولات ولكن النتيجة النهائية كانت في صالحنا عسكرياً.

أما كيف تم التعامل سياسيا مع هذه الحقائق، ولماذا لم نستطع تثبيت لحظة الانتصار والبناء عليها؟ ولماذا سلمنا أوراق اللعبة التي كانت بأيدينا إلى أميركا؟ ولماذا عجزنا عن إعادة بناء مؤسسات المجتمع بنفس الروح والكفاءة التي أعدنا بها بناء القوات المسلحة؟ ولماذا أضعنا الطريق الذي عرفناه في أكتوبر 73 فكانت النتيجة أننا بعد أربعين عاماً من هزيمة 67 مازلنا عاجزين عن تجاوز الهزيمة، ومازلنا نتعامل مع أي انتصار نحققه على انه استثناء، ومازلنا نراقب صراع الآخرين على منطقتنا وكأنه أمر لا يخصنا.

بعد أربعين عاما من يونيو 67، مازلنا نجد الخلاص في تحميلها كل ما يقع لنا، نقبل ما رفضناه في عز الهزيمة، وننسي أن الذين انهزموا في 67 ثأروا لهزيمتهم بعد ست سنوات فقط، وأننا إذا كنا لم نستثمر الانتصار كما ينبغي، فليس هذا مبرراً لكي نقيم حفلات لطم الخدود في يونيو من كل عام، ولا لكي نزرع في أبنائنا الشعور الدائم بأننا أمة لا تحسن إلا الهزيمة!!

نقيب الصحافيين المصريين