يقع ترتيب البيت الأوروبي على رأس اهتمامات وهموم السياسة الخارجية الفرنسية فهذا العنصر من أكثر العناصر ثباتاً واستقراراً في تلك السياسة.

كما تحظى العلاقات الفرنسية وعبر البوابة الأوروبية مع الفضاء المتوسطي أيا كانت الأبعاد الجغرافية السياسية من افريقية وآسيوية والأوزان التي تعطي لكل من هذه الأبعاد في لحظة معينة بأولوية كبيرة أيضا في السياسة الفرنسية. مفهومان تكررا كثيرا في خطاب الرئيس الفرنسي الجديد نيكولا ساركوزي وأشار اليهما من قبل عندما كان مرشحا للرئاسة: الاتفاقية المبسطة والتي جاءت بعد الحديث عن الاتفاقية المصغرة وهو الجواب لأزمة بناء الاتحاد الأوروبي ثم مفهوم الاتحاد المتوسطي.

عناصر عديدة كانت وراء بلورة هذين المفهومين: - اخراج اوروبا من أمام الحائط المسدود بعد ان توقفت عملية البناء الأوروبي نتيجة للاستفتاء السلبي الفرنسي على الدستور الأوروبي الجديد في مايو 2005 في حين ان هنالك 18 دولة أوروبية قد صدقت على مشروع الدستور الأوروبي الجديد وبالتالي شعر الرئيس الفرنسي بأن الكرة في ملعبه للخروج من حالة الشلل التي أصابت عملية البناء الأوروبي، وذلك عبر توفير مخرج تسوية بين من هم مع مشروع الدستور من جهة والمعارضين للمشروع كما طرح من جهة أخرى.

- القناعة بتعثر عملية الشراكة الأورو متوسطية بعد اكثر من عقد من الزمن وبالتالي بضرورة إعادة تنشيط هذا البعد الأساسي والحيوي لفرنسا ولأوروبا.

- نظرة جديدة الى افريقيا محركها أساسا امني استراتيجي باعتبار ان افريقيا مصدر للهجرة اللاشرعية والهجرة الضاغطة على اوروبا وضرورة إيجاد مقاربة شاملة لهذه المشكلة الإفريقية الأوروبية.

- ضرورة بلورة مقاربة جديدة مرنة وناشطة وأكثر فعالية للعلاقات مع المغرب العربي بسبب طبيعة الترابط والتداخل والتأثر المتبادل بين المنطقتين وعلى ضوء عنصرين جديدين أولهما ان المغرب العربي صار ممرا للهجرة المشار اليها سابقا وان المغرب العربي بدأ يدخل منطقة الخطر مع محاولات تمركز تيارات إرهابية على أراضيه وما يمثل ذلك بسبب الجغرافيا والاجتماع من خطر مباشر على اوروبا وفرنسا تحديدا.

فكرة الاتفاقية المبسطة التي تعنى حسب الرئيس ساركوزي بتوفير مقاربة مرنة وتدريجية تقوم على اعتماد ما هو متفق عليه أساسا وغير خلافي في مشروع الدستور الأوروبي الجديد وترك الأمور الأخرى الخلافية الى مرحلة لاحقة، بغية تعزيز قدرة الاتحاد الأوروبي كفاعل دولي من خلال زيادة الاندماج في مجال من جهة وبلورة شخصيته الدولية الخارجية من جهة أخرى من خلال إيجاد رئاسة مستقرة للمجلس الأوروبي ووزير خارجية للاتحاد الأوروبي.

وقد استطاع ساركوزي من خلال «حملته الدبلوماسية» إقناع عدد من مؤيدي مشروع الدستور المعطل بهذه المقاربة وبالأخص أسبانيا وايطاليا كما استطاع ان يقيم جسر حوار في هذا المجال مع الرئاسة الألمانية. وحظي بتأييد رئيس المفوضية الأوروبية لهذا الأمر.

ما ساهم في إنجاح هذه المقاربة أمور ثلاثة أولا غياب بديل واقعي عن حالة الشلل المؤسسي الذي أصاب الاتحاد الأوروبي وتداعيات هذا الأمر بأشكال مختلفة على كافة أعضاء الاتحاد، ثانيا الحملة الدبلوماسية الكثيفة في فترة زمنية قصيرة التي نجح بإطلاقها الرئيس الفرنسي الجديد حول هذا الأمر وثالثا، فصل موضوع انضمام تركيا الى الاتحاد الأوروبي الذي يعارضه الرئيس الفرنسي عن مسار مشروع الاتفاقية المبسطة.

ويراهن ساركوزي بشكل خاص على اقتناع المستشارة الألمانية أنجيلا ماركير بمقاربته باعتبار ان التوصل الى هذا الاتفاق في القمة الأوروبية في 21 و22 من هذا الشهر في نهاية الرئاسة الألمانية للاتحاد الأوروبي سيعزز من صورة ومكانة ألمانيا.

الاتحاد المتوسطي هو المفهوم الثاني الذي رفعه ساركوزي في السياسة الخارجية لبلاده يمثل مقاربة جديدة لتوفير إطار مختلف نوعياً في آلياته وأهدافه لصياغة علاقات جماعية متوسطية أوروبية يكون شبيها بمجلس اوروبا ويعمل في إطار تعاون وثيق مع الاتحاد الأوروبي بغية التوصل مستقبلاً الى بناء مؤسسات مشتركة بين الاتحادين يقوم تنظيم الاتحاد المتوسطي على فكرة لقاءات قمم دولية لرؤساء وحكومات الدول الأعضاء.

وهي فكرة شبيهة بآلية عمل مجموعة دول الصناعية الثماني ويكون لهذا الاتحاد مجلس مثل مجلس اوروبا ويكون هدفه الرئيسي «تضامنيا وتعاونيا» من خلال بلورة لسياسات مشتركة للهجرة المنسقة وللتنمية الاقتصادية والتجارية ولدعم وتطوير دولة القانون وكذلك للتنمية المشتركة ويقام في إطاره مصرف متوسطي للاستثمار مثل المصرف الأوروبي للاستثمار.

ويرى البعض ان من الأهداف الرئيسية وراء بلورة هذه الفكرة أيضا إيجاد موقع ودور خاص لتركيا الذي يعارض ساركوزي انضمامها الى الاتحاد الأوروبي باعتبار انها ليست «جزءا من القارة الأوروبية ولو أنها جارة لأوروبا» وتنتمي كما يقول الرئيس الفرنسي الى الفضاء الأوروآسيوي والمتوسطي ويجب الارتباط معها بشراكة مميزة.

ويشكل الموقف من تركيا نقطة خلافية أساسية بين الرئيس الجديد وحالة الالتزام الرسمي الأوروبي التي تعتبر فرنسا جزءا منها تجاه القبول بانضمام تركيا مع توفير شروط معينة لهذا الانضمام. كما تعكس قضية الاتحاد المتوسطي الأولوية التي يريد ان يعطيها ساركوزي لتعزيز ودفع التعاون مع المغرب العربي.

وفي هذا السياق يطرح الرئيس الفرنسي مفهوم التعاون المعزز بين دول جنوب اوروبا والمغرب العربي. يقول مجلس التعاون الاقتصادي وهو هيئة غير رسمية يعمل منذ سنتين على بلورة هذه الفكرة وتحديدا على بلورة خطة عمل للمتوسط الغربي، أن الاتحاد يقوم على اتباع سياسة التدرج في الأهداف معتبرا ان هنالك «متوسطين»: واحد آسيوي يعاني من مشاكل انعدام الاستقرار والفوضى وآخر افريقي مغاربي اكثر استقرارا ويرى «منظرو» المشروع انه رغم الطابع الشامل المتوسطي لمشروعهم الا انه يجب البدء بشمال افريقيا والتركيز على تطوير التعاون في مجال الموارد البشرية بشكل خاص.

ملاحظات عديدة يمكن استخلاصها حول المفهومين الجديدين في السياسة الفرنسية:

- مفارقة قوامها ان أهم المآخذ على عملية الشراكة الأورومتوسطية كونها وضعت السقف عاليا مما لم يسمح لها بتحقيق أهدافها ويبدو ان سقف الاتحاد المتوسطي من خلال الأفكار التي يقوم عليها يمثل سقفا أعلى في هذا المجال وبالتالي يحمل تحديات قد تكون أصعب من تحديات العملية الأولى.

- ان إقامة هذا الإطار من «جماعة متوسطية» يتطلب تسوية اهم واخطر القضايا في المنطقة التي تقف سدا أمام إنشاء هذا المفهوم وتعزيزه في كافة جوانبه وهي قضية الصراع العربي الاسرائيلي وللتذكير فإن اهم نقاط البعد السياسي في الشراكة الأورو متوسطية وهي إنشاء ميثاق سلم واستقرار في المتوسط قد ولدت ميتة عمليا ولا يمكن إحياؤها الا بعد تسوية الصراع العربي الإسرائيلي والشيء ذاته قد يقال عن بعض اطر وهياكل التعاون السياسي التي تطرحها فكرة الاتحاد المتوسطي.

- لا تبدو العلاقة واضحة حتى الآن بين الشراكة الأورومتوسيطة وسياسة الجوار الأوروبية من جهة ومفهوم الاتحاد المتوسطي من جهة أخرى. وكثير من الدول وخاصة الأوروبية المتوسطية تتطلع لتوضيح هذه العلاقة قبل تبني هذه الفكرة الجديدة.

- قد تنطلق فكرة الاتحاد المتوسطي بشكل جزئي في البداية من خلال التركيز على البعد المغاربي الافريقي الذي هو الهدف الأساسي لهذه الفكرة. ولكن ستبقى معرضة للاهتزاز وعدم الترسخ حسب ما يقول عنوانها ودافعها الأساسي اذا ظل البعد المتوسطي الآسيوي معلقا او مؤجلا أو مغيبا مما يستدعي مقاربة ناشطة فرنسية أوروبية مباشرة وأخرى أوسع لتسوية الصراع العربي الإسرائيلي.

- تلاحظ مرونة شديدة في تعامل الرئيس الفرنسي مع المسألة التركية اذ رغم تركيزه المبدئي على موقفه الرافض للانضمام التركي الا انه لم يعارض احترام استحقاق مفاوضات الانضمام المقررة نهاية هذا الشهر. كما انه فصل بين المسألة التركية ومسألة الخروج من الأزمة الدستورية الأوروبية.

ولن يكون مفاجئا اذا تراجع «وضوح» الموقف الرسمي من الانضمام التركي وتلاشى مع الوقت ليختفي في ثنايا ومتعرجات وتعقيدات قوامها موقف أوروبي رسمي مرحب بالانضمام من جهة وشروط معقدة وحساسيات مجتمعية أكثر تعقيداً مسبباتها ثقافية دينية في اوروبا من جهة أخرى تعقد وتؤخر وتطيل رحلة الانضمام التركي الى «الجنة» الأوروبية التي ستتولى فرنسا رئاستها الدورية بعد عام من الزمن ابتداء من أول يوليو 2008.

كاتب لبناني