صيغ ديفيد هالبيرستام من المادة الخام للأسطورة، وفقدانه لا يقل عن مأساة وطنية، حيث صمت في حادثة سيارة مؤخراً صوت بالغ العظمة والحاجة إليه أكثر من أي وقت مضى.

لقد امتد عمل هالبيرستام وتأثيره باعتباره صحافياً وكاتباً نصف قرن، فقد غطى أهم الأحداث في زماننا، بدءاً من الكفاح من أجل الحقوق المدنية في الجنوب في الخمسينات ووصولاً إلى حرب فيتنام في الستينات والسبعينات وإلى قرن جديد وحرب جديدة، والتي أعادت إلى ذهنه بصورة مخيفة أخطاء الحرب التي دارت رحاها في شبابه، وفي مشواره الصحافي، كتب تقارير مميزة بدت كأنها تحذير مبكر من الاندفاع نحو شن حرب في فيتنام.

ترك هالبيرستام الصحافة اليومية قبل أن يبلغ الأربعين من عمره وألف أكثر من عشرين كتاباً، وتناول على نحو رائع بالبحث والكتابة تاريخ الأزمنة التي عاشها وعشناها. وألقى ضوءاً على موضوعات كبيرة وصغيرة، بدءاً من الحرب ووصولاً إلى الرياضة، إن كتابيه حول فيتنام «صناعة المستنقع» و«الأفضل والأذكى»، اللذين يعدان دراسة بارزة للساسة والأكاديميين الذين قادونا كالعميان إلى ذلك المستنقع، كان يجب قراءتهما واستحضارهما في الأذهان من قبل الذين قادونا إلى المستنقع الأحدث في العراق.

ذهب إلى فيتنام في الأيام الأولى، وواصل الإيمان بما أملت أميركا في تحقيقه في ذلك البلد البعيد. فهو، في نهاية المطاف، ابن طبيب في الجيش. سمع وعد جون كيندي في خطاب توليه الرئاسة بأننا سنذهب إلى أي مكان، وندفع أي ثمن، للدفاع عن الحرية، وصدق كلامه، ولكنه سافر بمرافقة نيل شيهان مراسل اليو.بي.آي ومالكولم براون من وكالة أسوشيتد برس إلى جنوب فيتنام وتحدث إلى المستشارين العسكريين الأميركيين، وما سمعوه من الضباط مثل جون بول فان وإيفان سلافيتش لم يتطابق مع ما سمعوه في سايغون.

وكانت نقطة التحول كارثة دموية في قرية صغيرة في دلتا ميكونغ تدعى آب باك في 1962. وما كان ينبغي أن يكون نصراً لجيش فيتنام الجنوبية، بمساعدة المروحيات الأميركية، أصبح هزيمة مذهلة عندما ترك جنود فيتنام الجنوبية عمداً قوات الفيتكونغ تلوذ بالفرار، وبسبب كتابة الحقيقة في وجه الأكاذيب الرسمية، اتهم هالبيرستام والآخرون بأنهم انهزاميون وجبناء وخونة.

في واشنطن أجرى الرئيس كيندي اتصالات مع صحيفة «نيويورك تايمز» وطلب أن يتم نقل هالبيرستام إلى مكان آخر. ولكن الصحيفة وقفت إلى جانب مراسلها، وبعد سنوات، في رسالة مفتوحة بعث بها إلى طفلته، جوليا، في مجلة «باريد» كتب هالبيرستام قائلاً: «فقدت براءتي في فيتنام. وقررت أن نزعة المساواة لم يتم تصديرها وعادةً فإن الناس في واشنطن التواقين إلى تصديرها لم يعيشوا وفقاً لها في الداخل».

ضغط القادة العسكريون الأميركيون على الصحافيين لإجبارهم على «الانخراط في الفريق» تحت طائلة التهديد، لكن هالبيرستام رد الصاع صاعين. وكتب عام 1963 قائلاً: «وقفت، تسارعت نبضات قلبي، وقلت لهم إننا لسنا رقباء أو مجندين لديه، وإننا نعمل في صحيفة «نيويورك تايمز»، وليس في وزارة الدفاع».

فيما كانت أميركا تتجه نحو غزو العراق في أواخر 2002، كان ديفيد هالبيرستام، على غرار آخرين قضوا شبابهم في فيتنام، يضع موضع التساؤل قيام إدارة بوش بقرع طبول الحرب، وقال في حديث له مؤخراً: «لم أعتقد أن الأمر سينجح على الإطلاق. واعتقدت أنه في كل من فيتنام والعراق، أننا نعارض التاريخ. كان رأيي، واعتقد أن ذلك بسبب فيتنام، أن القوى التي تقف قبالتنا ستعادينا، وأنه لن يُنظر إلينا على أننا محررون. كنا سنضرب بقبضتنا في أكثر الدول تأزماً في العالم».

كان هالبيرستام كريماً جداً مع الراغبين في امتهان الصحافة بوقته ونصيحته. قضى وقتاً طويلاً في إلقاء محاضرات في كليات الصحافة داعياً جمهوره إلى تعلم قول الحقيقة للسلطة، وعندما يواجهون الأكاذيب والعقبات الرسمية، للعمل بجهد للحصول على الحقيقة وكشفها، وكان مفكراً وكاتباً ومتحدثاً رائعاً. وكان بالنسبة لزملائه القدامى، فرقة تشجيع مكونة من رجل واحد ومستعداً لتقديم تعريف بكتاب أو مقدمة له، أو كلمة تشجيع.

حفظ هالبيرستام في مكتبه اقتباساً صغيراً مما كتبه البير كامو خلال حرب فرنسا في الجزائر وهو: «ينبغي عليّ أن أكون قادراً على حب بلدي وحب العدل»، وأحب ديفيد كلاً منهما وخدمهما طوال أيام حياته.

خدمة «لوس أنجلوس تايمز» خاص لـ «البيان»