منظمة العفو الدولية تتفوق على نفسها باستخدامها للمرة الأولى تكنولوجيا الفضاء من أجل رصد انتهاكات حقوق الإنسان، ولتدشين عهدها التكنولوجي الجديد لم تجد رئاسة المنظمة مكاناً ملائما سوى إقليم دارفور السوداني حيث وعدت بأن أجواء الإقليم ستكون عامرة بأقمار صناعية لرصد الهجمات التي ينفذها من حين لآخر مسلحو الميليشيا القبلية المحلية التي يطلق عليها الجنجويد.
ابتداء لا أدري كيف تفرق الأقمار الصناعية بين رجال الجنجويد وعناصر حركات التمرد المسلح المناوئة لها. وبالامتداد يشمل التساؤل الخبراء والفنيين الذين ينكبون على تفحص الصور التي تأتي بها الأقمار، خاصة اذا اخذنا في الاعتبار اعلان منظمة العفو انها تعتزم استخدام الصور كأدلة تستند إليها في تقديم دعاوى قضائية ضد الحكومة السودانية، فالمحاكم قد لا تعتبرها أدلة دامغة يعتد بها قانونياً.
ولكي تتفادى رئاسة المنظمة الدخول في متاهات قانونية فاني أتبرع باسداء نصح لها بأن ما يجري في أرض فلسطين والعراق وأفغانستان من انتهاكات علنية ليس بحاجة إلى رصد من أقمار صناعية فكل من هذه المناطق الثلاث واقعة تحت قوة احتلالية أجنبية تسفك الدماء على مدار الساعة وتمارس القتل العشوائي بالجملة.
قال الشاعر السوداني عن الجمال، جمال الكون المطلق:
وذهبنا بما يفسر معناك
بعيداً وأنت أكثر قرباً
باستخدام تكنولوجيا الفضاء فوق دارفور تذهب منظمة العفو بعيدا علماً بأن الفظائع الإسرائيلية في غزة والضفة والفظائع الأميركية في العراق وأفغانستان لا تحتاج حتى إلى مجهر عادي، وتحرك منظمة العفو تجاه مسألة دارفور على هذا النحو الأسطوري يأتي في سياق تحرك غربي أعرض. وهو تحرك يتسارع إيقاعه من يوم إلى يوم. خلال أيام معدودات جرى ما يلي:
الرئيس الأميركي يعلن فرض عقوبات اقتصادية على السودان، ومدعي المحكمة الجنائية الدولية يعد تقريراً لمطالبة مجلس الأمن الدولي بفرض عقوبات إضافية على السودان، وبوش يلمح بفرض حظر جوي على السودان، ومجلس النواب الأميركي يعقد جلسة خاصة عن دارفور ويصدر قراراً لحث الصين على وقف بيع أسلحة إلى السودان وتعليق التعاون الاقتصادي معه، ومجلس العموم البريطاني يناقش الأوضاع في دارفور، وزيرة الخارجية البريطانية تدعو إلى تشديد العقوبات على الخرطوم، وزيرة خارجية فرنسا تسافر إلى تشاد لبحث مسألة اللاجئين من دارفور.
أليس عجيباً أن يتواصل ويتكثف هذا الاهتمام الغربي بدارفور بينما في الوقت نفسه ليس لدى الحكومات الغربية ما تقدمه للشعب الفلسطيني سوى الاستمرار في محاصرته اقتصادياً من أجل تجويعه وكسر شوكة المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي؟ وأليس الأعجب ان ملف دارفور يحتل أولوية عليا على جدول أعمال قمة «مجموعة الثماني» الكبار مع تجاهل كامل لملفات فلسطين والعراق وأفغانستان؟