مسلسل العنف الدامي والقتل اليومي الذي يتعايش معه شعب العراق الشقيق على مدى أربع سنوات، يزداد ضراوة وبشاعة يوماً بعد يوم.

فلم يعد القتل قاصراً على العمليات التفجيرية من سيارات مفخخة يذهب ضحيتها في الغالب الأبرياء من أبناء هذا الشعب العربي الجريح، وإنما اتسعت دائرة العنف الوحشي الدموي لتشمل الآمنين داخل بيوتهم. بل تمتد اليد الملوثة بالدماء لتنال من أطفال صغار في عمر الزهور حرموهم من حياة الدفء والأمن والاستقرار وسط أسرهم، وأحالوا حياتهم إلى جحيم وكوابيس تطاردهم وتثير الذعر والرعب في نفوسهم البريئة صباحاً ومساء.

فأمس، شهدت مدينة بعقوبة مركز أو عاصمة محافظة ديالى شمال شرق بغداد، والتي تضم خليطاً من السنة والشيعة والأكراد، مذبحة وحشية بشعة، تمثلت في هجوم مسلحين مجهولين على منزل قائد شرطة المدينة العقيد علي دليان الجوراني، وقتلوا 14 من أفراد حراسته وزوجته واثنين من أشقائه.

ولم يكتفوا بتلك التصفية الدموية، بل اختطفوا أربعة من أطفال الجوراني الذي لم يكن في المنزل ساعة وقوع الهجوم، ثم لاذوا بالفرار. وعلينا أن نتخيل كيف كانت مشاعر هؤلاء الصغار الأبرياء لحظة مشاهدة إطلاق رصاصات المهاجمين على أمهم وأقربائهم. انه قتل بلا رحمة ولا شفقة، ولا يمكن أن تكون هناك ذريعة أو مبرر يعفي من طاوعتهم أياديهم بذبح العزل من السلاح.

تزامن الإعلان عن هذه المذبحة البشعة، مع انفجار سيارتين مفخختين في بلدة القرنة التابعة لمدينة البصرة، والحصيلة أكثر من 45 قتيلاً وجريحاً. والانفجاران وقعا في توقيتين متقاربين، أولهما استهدف حافلة لنقل الركاب والثاني وقع في سوق شعبي في بلدة القرنة. وهو ما يعني أن المستهدف هم المدنيون.

والمسلسل لا يقتصر على المذابح والتفجيرات التي ترتكب ويكشف عنها في حينه، وإنما يمتد المشهد المفجع إلى الجرائم التي ترتكب ولا يفصح عنها، ثم يعلن فيما بعد عن اكتشاف عشرات الجثث المجهولة لضحايا هذه الجرائم. وآخرها العثور على 32 جثة لأشخاص مجهولي الهوية، قالت الشرطة العراقية إنهم قتلوا في ظروف غامضة في مناطق متفرقة من بغداد.

وأغلب الجثث تم العثور عليها في مناطق الكرخ كما أن أغلبها وجدت مصابة بطلقات نارية في مناطق مختلفة من الجسم أغلبها في الرأس. هذا ما يتعايش معه أبناء الرافدين كل يوم. دماء تسيل وتنزف في مدنه وقراه. جثث تتناثر في مناطق عديدة. جرائم خطف ونهب وسلب.

حياة وسط جحيم وأجواء يخيم عليها شبح الموت الذي لا يمكن لأحد أن يسلم منه، إلى درجة أنه أصبح لزاماً على أساتذة الجامعة والأكاديميين أن يتسلحوا ويسيروا وسط حراسة بعد أن صار كل واحد منهم مستهدفاً، وكأن المطلوب هو تفريغ العراق - مهد أعرق الحضارات الإنسانية وموطن الثروات الطبيعية والبشرية الخلاقة - من صفوته العلمية ومن كل ما يمكنه أن يسهم مستقبلاً في انتشال العراق من أزماته وكوارثه والنهوض به مستغلاً ما لديه من إمكانيات لا حصر لها، دائرة الفقر والمعاناة الاقتصادية، أيضاً تتسع يوماً بعد يوم.

في الوقت الذي تتعرض ثروات الشعب العراقي كما تتناقل وكالات الأنباء ووسائل الإعلام العالمية للنهب. وكأن كل شيء فوق أرض العراق صار مستباحاً.

إن المسلسل الدامي، يبدو بلا نهاية. نزيف من الدماء لا يجف وجراح لا تندمل. ويبقى التساؤل المثير للأسى والحزن: إلى متى سيظل العراق وأبناؤه يعيشون في أجواء تفوح منها رائحة الموت في كل مكان؟