يدهشك الإسرائيليون والمتأسرلون، بتلك القدرة الفائقة التي يحسدون عليها فعلاً، عندما يعتلون المنابر الإعلامية أو يجلسون في قاعات الاجتماعات الرسمية العلنية والسرية. الإدهاش لا يقتصر على القدرة الإعلامية في الخطاب والرد على الأسئلة بهدوء وابتسامة عريضة فقط، وإنما يشمل أيضاً نوعية المعلومات والمواقف التي تصدر عنهم. ‏

ولنعترف بأن شاؤول موفاز، نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي، صاحب سجل سياسي ـ عسكري حافل، وأنه مدافع عنيد عن إسرائيل والفكرة الصهيونية، حتى لو اقتضى الأمر اتباع طريق الكذب والخداع والتضليل وقلب الحقائق رأساً على عقب. ‏

لكن المدهش هنا مع موفاز هذا أنه لم يكتف بكل ما أشرنا إليه، بل إنه يذهب إلى حد ينتقد فيه الإيرانيين الذين «يتجاهلون قرارات مجلس الأمن»! ويعلن أن إسرائيل «ستبحث خيارات أخرى في حال لم تعط العقوبات المفروضة على إيران، أو التي ستفرض، نتائجها»! ‏

تذكّرنا تصريحات موفاز بالمثل الشعبي الدارج الذي يقول: «مجنون يحكي وعاقل يسمع»، وها نحن نسمع هذا الكلام من أحد المجانين الإسرائيليين الذين يظنون أن العالم من الغباء والسذاجة، ما يجعله يصدّق هذا الكلام، وينسى ما تمثله إسرائيل من حالة مرضية سرطانية داخل جسد الأمم المتحدة. ‏

إذا كان الإيرانيون يتجاهلون قرارات مجلس الأمن ـ كما يزعم موفاز ـ فهل إسرائيل هي التي لا تتجاهل هذه القرارات؟ ‏ ألا يوجد في سجلات هذا المجلس أكثر من أربعين قراراً يدين إسرائيل ويدعوها إلى الانسحاب من الأراضي العربية التي احتلتها «فوراً» ويعلن أن قرارات ضم الجولان والقدس وإجراءات التهويد وإقامة المستعمرات في الضفة والقطاع والجولان باطلة وغير قانونية، وما إلى ذلك من قرارات، هذا إذا غضَّينا الطرف عن مئات القرارات الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة؟ ‏

موفاز الموجود في واشنطن لترؤس جولة «الحوار الاستراتيجي» نصف السنوية، يتحدث عن خيارات إسرائيلية أخرى ضد إيران، في مقدمتها الخيار العسكري، كما يدعو إلى «قطع الحدود السورية ـ اللبنانية» بذريعة منْع تهريب سلاح إلى حزب الله، ويدافع عن سياسة القتل والإرهاب ضد الشعب الفلسطيني لأن حركة حماس تشكل عقبة في طريق المفاوضات. ‏

ينسى موفاز، وهو يتحدث بهذه اللغة النارية، أنه يمارس العربدة، إعلامياً وسياسياً، ويلوّح بالعصا الغليظة لدولة إقليمية كبرى ذات سيادة وعضو كامل العضوية في منظمة الأمم المتحدة. كما ينسى ـ أو يتناسى ويتغابى عن سابق إصرار وترصّد ـ أن الحديث يدور عن برنامج إيران النووي السلمي، في حين أن لإسرائيل برنامجها النووي الحربي، وهي تمتلك ما لا يقل عن مئتي قنبلة نووية. ‏

ويضع موفاز نفسه في الموضع الذي هو فيه فعلاً كقرصان وقاطع طريق عندما يتحدث عن «قطع الحدود السورية ـ اللبنانية». ‏ومع ذلك، فإننا قادرون على تفهّم منطق اللامنطق الذي يتحدث به موفاز وبقية المسؤولين الإسرائيليين. فمن لا يمتلك الحق والحقيقة يبني سياساته ومواقفه وحججه على الأكاذيب والأباطيل وتزييف التاريخ وتزوير الحقائق. ‏

لكن الشيء الذي قد يكون صعباً على الفهم، أن تتبنى دولة عظمى، وربما أكثر، هذه السخافات الإسرائيلية وتعتبرها بمنزلة مسلّمات لا يرقى إليها الشك. والأدهى والأمرّ أن ترسم هذه الدولة العظمى، أو الدول، سياساتها على تلك السخافات، وتصبح هذه الدولة العظمى أداة عسكرية ـ سياسية لتنفيذ مخططات ومشاريع حفنة من شذاذ الآفاق والإرهابيين والقتلة في هذه المنطقة. ‏

وكي لا نجانب الحقيقة، يجب الاعتراف بأن هذه الدولة العظمى لا تقوم بما تقوم به في منطقتنا لإرضاء إسرائيل واللوبي الصهيوني فقط، وإنما أيضاً لأن المشروع الذي تتبناه يتطابق مع المشروع الصهيوني بجزيئاته وتفرعاته. ‏

فإدارة المحافظين الجدد تريد عالماً يخدم المصلحة الأميركية، ويحقق «الحلم الأميركي» ويستسلم أمام مشروع «القرن الأميركي»؛ لذا فلا غرابة فيما يطرحه قادة تل أبيب وتتبناه إدارة بوش. ولا نتجاوز حدود المنطق عندما نربط ما يجري في المنطقة من العراق إلى لبنان وفلسطين بالدرع الصاروخي وبالحروب الاقتصادية والتجارية التي تخوضها الولايات المتحدة ضد دول العالم بما فيها الدول الكبرى. فكل هذه الأمور حلقات في سلسلة لإحكام الطوق على عنق العالم ودوله وشعوبه. ‏