من يحب الوطن ويهتم بمستقبل أبنائه سيقف وقفة صريحة مع الذات ويفكر بصوت عالٍ في أزمة «جونو» التي نحمد الله أننا لم نتأثر بها كثيرا، ويتدبر بصراحة متناهية وشفافية عالية ويتساءل هل كنا على مستوى الحدث؟
وهل استطعنا التعامل مع الظاهرة بأقل خسارة ممكنة؟ وهل تمكنت كل أجهزة الدولة ومؤسساتها من إدارة الأزمة باقتدار؟ نتساءل هل نجحنا..؟ وكم كانت نسبة النجاح؟ وإن فشلنا أو أخفقنا، فما هي الأسباب التي أدت إلى ذلك وحالت دون الوصول إلى مستويات أعلى؟ والأهم من كل ذلك، كيف السبيل إلى مستوى أداء عال في مثل هذه المواقف، وتحقيق أفضل النتائج التي تصل بنا إلى بر الأمان وتجعلنا راضين عن أداء مؤسسات الحكومة، ونتمكن من التعامل مع الطوارئ باقتدار وإدارة الأزمات بإحكام؟
إن دعوة الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان وزير الداخلية بعد جولة شاملة قام بها في الساحل الشرقي أول من أمس لتشكيل فرق لإدارة الأزمات ليس بالضرورة أن تكون على خلفية قصور لاحظه الوزير في التعامل مع الأزمة، أو ان الأمور كانت (عال العال) وكل واحد أدى ما عليه على أكمل وجه، بل هو تفكير بصوت مسموع ورغبة في أن يكون الغد أفضل من اليوم، والعمل على تهيئة النفس وتدريبها على أفضل الأداء.
وزير الداخلية، وعلى الرغم من عطاء إدارات وزارته خلال الأيام الماضية وتفاني رجالها في البذل ومساعدة المنكوبين من الأهل في الشرقية، إنما يضع يده على الجرح، وكأنه يبث رسالة في غاية الأهمية إلى جميع مؤسسات المجتمع وبكل فئاتها وشرائحها أن تتعلم دروسا مما حدث حتى تكون على دراية بكيفية التصرف حيال الأزمات ولا تغرق في شبر ماء.
والحق لا بد ومن اجل الإمارات التي لا نزايد على مقدار الحب الذي يكنه لها الجميع وحجم التضحية التي لا شك أن الكل على استعداد للإقدام عليه بل والتفاني من أجل الأهل، فإنه لا بد ومن أجل ذلك كله الجلوس إلى طاولة مستديرة يتساوى عليها الجميع وبعيدا عن المجاملات نتحدث ليس عن سلبيات ما بدر منا بل العمل ضمن الفريق الواحد لتلافي الأخطاء التي تعيننا على تجاوز الأزمات.
الأزمة ـ ولله الحمد والمنة ـ قد مرت، ولكن لا بد هنا من تدارك أمر مهم للغاية وهو أن المشكلة عندنا لم تكن كبيرة ومنطقة مرور الإعصار أو العاصفة على الدولة كانت محدودة للغاية ولم تكن بشدة مرورها على غيرنا، وعلى الرغم من ذلك فإن أداء المؤسسات والأطراف لم يكن بذات الكفاءة.
دعونا هنا من التصريحات الصحافية التي خرجت في اليوم الأول لمرور «جونو» والأيام التالية ومن افتتاح أبواب هنا وأخرى هناك، ومساعدات، وتضافر الجهود، و... و....، واسمحوا لنا أن نخرج ما في النفوس ونتحدث بصراحة متناهية ونقول نعم كان هناك قصور، ولم نأخذ الأمر على محمل الجد إلا مؤخرا، أخطأنا وعلينا الاعتراف بذلك، هذا إذا أردنا تصحيح المسار، غير ذلك فلن يجدي الكلام نفعا وما حدث مع «جونو» سيتكرر مع غيره.
القصور كان سببه الإهمال أو ربما الجهل بمثل هذه الظواهر التي لم نعتد على رؤيتها لأنها تحدث كل (كام سنة) ولم نصدق تقارير الأرصاد «الخارجية» إلا بعد أن شاهدنا الإعصار وقد اقترب كثيرا وضرب ودمر المناطق التي مر بها فتحركنا لتجنب مخاطره.
ولعل من حسن حظ السلطات عدم وقوع خسائر في الأرواح، وهو الأمر الذي كان من الممكن حدوثه حال تأخر رجال القوات المسلحة والشرطة وغيرهما في إجلاء السكان في كلباء بعد أن حاصرتهم المياه في دقائق معدودة لم تمهلهم لفعل شيء في بيوت بها النساء وكبار السن والعجزة والصغار والرضع والمرضى، خرجوا سريعا ولم يكن أمامهم متسع من الوقت لأخذ أدويتهم ـ على الأقل ـ خاصة المصابين بأمراض مزمنة.
إن عدم الوعي بالمشكلة وعدم إلمام الناس بخطورة الوضع جعل البعض يتردد في ترك منزله، والذهاب إلى المدارس والمساجد قبل تأمين الشقق لهم التي شهدت بدورها ونظرا للإقبال عليها استغلالاً للظرف ومثلها فعلت محلات البقالة وغيرها، فالبعض لا يفوت شيئا.
بعدها خرجت مؤسسات المجتمع الأخرى فهذه تعلن عن فتح أبوابها أمام النازحين من بيوتهم، وتلك تعرض دقيقا وسكرا، وأرزا وما الذي يمكن أن يفعله الناس بالدقيق في المدارس غير تخزينه، حقا إنه شيء مثير للضحك، في حين مؤسسات أخرى وبدافع «حشر مع الناس عيد» بدأ تحركها في اليوم التالي لحدوث الأزمة، لتبدأ عرض مساعداتها كما يحدث عند إرسال المساعدات إلى منكوبي الفيضانات والزلازل في مناطق بآسيا أو كما تفعل مع منكوبي المجاعة في إفريقيا.
كل ذلك في حين كان بوسع السلطات تقديم الأفضل وتأمين أماكن إيواء آمنة ومكتملة الخدمات لأسر لم تطلب الكثير وبقيت على الرغم مما تعانيه قانعة بما حصلت عليه راضية بما قدر لها ـ وإن كتمت في نفوسها ما لم تستطع البوح به. ليس أمامنا اليوم سوى الحديث مع النفس لتلافي أوجه القصور ودعم جوانب القوة التي لا شك أنها أيضا كثيرة ومن الأعماق نبعث تحية شكر لجنود عملوا وبذلوا وترجموا وطنيتهم في أفضل الصور.
وأخيرا لا تنسوا الأشقاء العمانيين
