ما كشفته وسائل الاعلام الاسرائيلية امس حول عرض سري للسلام قدمه رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت الى سوريا مؤخرا عبر طرف ثالث بعد ان تلقى ضوءا اخضر من واشنطن لاستئناف المفاوضات مع دمشق يثير اكثر من تساؤل سواء من حيث المضمون او التوقيت.
النقطة الاهم والاخطر بالنسبة لنا في هذا المجال تتعلق بالتبرير الذي تطرحه الاوساط السياسية الاسرائيلية لاحياء مسار المفاوضات السوري الان وهو على امكانية احراز اي تقدم في المسار الفلسطيني نظرا لعدم وجود شريك فلسطيني على حد قول هذه المصادر مما يوصي اولا بأن اسرائيل تبحث بصدق عن السلام وثانيا انها وبعد ان استنفذت كل الجهود على المسار الفلسطيني توصلت الى هذه النتيجة وهو ما يجافي الحقيقة ويشكل تضليلا اسرائيليا جديدا للعالم اجمع.
نحن لسنا ضد استئناف المفاوضات السورية بل ان الجانب الفلسطيني يرحب بأي مفاوضات سلام جادة على اساس قرارات الشرعية الدولية وضمن الرؤية العربية للسلام التي اقرتها القمة العربية الاخيرة وايدها الجانب الفلسطيني بالاجماع.
ولكن التساؤلات تنبع من التكتيك الاسرائيلي المعروف منذ سنوات طويلة في اللعب على مسارات التفاوض فتارة تلجأ اسرائيل الى الايحاء وكأنها معنية بالمسار الفلسطيني وتتجاهل المسار السوري كما حدث منذ شهور عندما رفضت اسرائيل علنا مختلف نداءات ومبادرات السلام السورية، لتغير موقفها بشكل كامل الان وتقول انها مستعدة للتفاوض مع سوريا وان المسار الفلسطيني قد وصل الى طريق مسدود .. وهو نفس التكتيك الذي انتهجته اسرائيل في عهد اكثر من رئيس حكومة سواء من الليكود و »العمل« والان »كاديما« منذ بدء مفاوضات السلام قبل اكثر من عقد من الزمن.
والاغرب ان وسائل الاعلام الاسرائيلية تؤكد ان اولمرت مستعد لاعادة كامل هضبة الجولان الى سوريا مقابل قيام سوريا بقطع علاقاتها وتحالفاتها تدريجيا مع ايران ومع المنظمات الفلسطينية واللبنانية التي تصنفها على انها ارهابية. فهل حقا لدى اسرائيل الاستعداد لاعادة كامل الجولان الى سوريا؟ واذا كان الامر كذلك فلماذا لم يتحقق السلام خاصة وان سوريا تطالب منذ سنوات طويلة باعادة الجولان مقابل السلام؟!
وهو ما كان واضحا اثناء ولاية رابين وشارون ونتانياهو وباراك واولمرت ولكن شيئا لم يتحقق لان اسرائيل كانت تتراجع في اللحظة الاخيرة كل مرة بعد ان تكون قد ضللت الرأي العام العالمي.
واذا كانت اسرائيل مستعدة لاعادة الجولان كاملا وقبل ذلك اعادة سيناء الى مصر وابرمت اتفاق سلام مع الاردن فما الذي يمنعها من اعادة الاراضي الفلسطينية المحتلة منذ 1967 والموافقة على تطبيق رؤية الدولتين التي طرحها المجتمع الدولي؟! وهكذا يتحقق السلام الشامل؟
اما الزعم القائل بأن لا أمل بتحقيق تقدم في المسار الفلسطيني وانه لا يوجد شريك فلسطيني فهو زعم باطل لان الجانب الفلسطيني قبل بمبادرة السلام العربية ومستعد لتحقيق السلام على هذا الاساس كما ان الجانب الفلسطيني طالب مرارا بتطبيق الرؤية الدولية للسلام وطرح عدة مبادرات للتهدئة وكانت اسرائيل هي الطرف الرافض لكل ذلك واثبتت ان ما يهمها هو مواصلة الاستيطان واستكمال جدار الفصل العنصري وعزل القدس العربية المحتلة منذ 1967 وابقاء الحصار المفروض على الاراضي الفلسطينية واستمرار حملاتها العسكرية في مختلف الاراضي الفلسطينية.
ولو أن اسرائيل معنية حقا بالسلام مع سوريا ومع الجانب الفلسطيني ومع مختلف الدول العربية لسارعت الى الترحيب بمبادرة السلام العربية والشروع فورا في مفاوضات لتحقيق هذا السلام على اساس مقررات الشرعية الدولية التي استندت اليها المبادرة العربية.
وللاسف الشديد فأن تجربة التفاوض مع اسرائيل على مدى اكثر من عقد وحتى قبل ذلك على المسارين الفلسطيني والسوري اثبتت بما لا يدع مجالا للشك ان اسرائيل تسعى دوما لاستغلال مسارات التفاوض من اجل كسب الوقت وتضليل الرأي العام العالمي دون ان تكون فعلا مستعدة لاستحقاقات صنع السلام، وهو ما يشتم الان من الحديث الاسرائيلي الجديد القديم عن المسار السوري.
