علة لبنان ليست بالطائفية فقط، وان جرى في ظلها حروب وتهجير ونهب، لكن علته بالشخصية اللبنانية التي لم تنسجم مع مبادئ المواطنة، رغم أنها مؤسس بارز في الثقافة العربية، وعلامات كبيرة في المهجر، ووعي نادر أن تجده في بلد عربي آخر.

الذي يقود لبنان طبقات متنفذة في الاقتصاد والمزايا الاجتماعية والسياسية وتنحصر هذه الفئات بعناصر من السنة والمسيحيين، و لذلك صعب على الطبقة الوسطى ان تكون المعادل الطبيعي بحيث لا يختزل لبنان في صناعة السياحة، أو حركة البنوك، أو الاستيراد والتصدير، وحتى التعليم على فئات بعينها، ويظل أكثر من نصف المجتمع في الوظائف الدنيا وهم من سحقتهم الحروب والخلافات الحزبية والطائفية.

مثلاً كان المسلمون الشيعة خارج التصنيف الاقتصادي والسياسي إلابتمثيلهم بالبرلمان برئاسته، ولم تكن لطبقات أخرى من السنة والمسيحيين ممن عاشوا ولا يزالون موزعين بين أحياء وقرى ذات أغلبية مسلمة أو مسيحية بروز واضح، إلا نادراً ومن هنا كانت الحروب الأهلية الماضية انقلاباً طبقياً وسياسياً أحدث تغييراً جذرياً في النسبة والتناسب ليس على كراسي الحكومة، أو التمثيل البرلماني.

بل ببروز الطبقات المسحوقة من الشيعة ان تكون لاعباً أساسياً في القرارات العليا، ونفوذاً لم يكن موجوداً قبل تلك الحروب، والآن تجرى حروب من نوع جديد بين الجيش اللبناني و منظمة فتح الإسلام، وميدان المعركة المخيمات الفلسطينية وكبرى مدن الشمال ذات الأغلبية السنية المسحوقة أيضاً والمهملة من حصة مشاريع بيروت والأحياء الأرستقراطية، السنية والمسيحية.

والاشكال ليس بحسم الحرب لصالح جيش يدخل لأول مرة حرب شوارع، وقناصة، بل بالنتائج التي ستجر إليها كل لبنان إذا لم يفتح ملف الاصلاحات الشاملة، والتفاوت الطبقي سواء داخل المخيمات التي تنعدم بها الجوانب الانسانية وتأمين الاحتياجات الضرورية بما فيها الوظائف والمهن الأخرى، أو المدينة الأكبر في الشمال، عندما تصبح طرابلس مدينة إيواء الفقراء والمعدمين، مما أفرز منظمات متطرفة تجهزها ظروف المدينة والمخيمات المحيطة بها والشعور الغالب تاريخياً أن انتماءها العربي يتفوق على باقي المدن والقرى الأخرى.

هنا مانحون ومقرضون وتدافع عربي خليجي ودولي في إعادة بناء لبنان بعد هجوم اسرائيل الأخير، مالم تتوزع الحصص على أصحاب أدنى الدخول وتطرح مشاريع إعمار يتساوى فيها الجميع بما فيها المخيمات الفلسطينية، فإن تفريخ منظمات الارهاب تجد الأرضية الصالحة في هذه الطبقات المعدمة، وهذا تأكيد على ان المعالجات السياسية بين الفرقاء الكبار، وتجاهل معاناة الشعب الأخرى دليل ان علل لبنان كثيرة، والتغلب عليها يحتاج إلى فهم واقعي أن معادلة الأمن لا تنجح مالم يُقءضَ على منابعه ، وخاصة بيئة الفقراء..