ما أسوأ الهزيمة، تظل غصة في القلوب ومن الصعب إزالة آثارها ولو بعد حين، وها قد مر أربعون عاماً على هزيمة يونيو 67 وما زال الكل يتذكرها ويأبى الرقم الأربعيني أن يمر علينا دون أن يترك بصمته وغصته حتى على الأجيال التي لم تشهد الهزيمة، ففي مصر وفقاً لآخر إحصاء ديموغرافي (ابريل 2007)، فإن 32% من السكان البالغ عددهم 5 ,76 مليوناً تقل أعمارهم عن 15 عاماً،

ومعظم هؤلاء يعرفون ما حدث في 67 لأن حرب الخامس من يونيو وردت في كتب التاريخ المدرسية ثلاث مرات ولكن بشكل عابر، فكتاب الفصل السادس الابتدائي يتحدث عنها في فقرة واحدة وكتاب الفصل الثالث الإعدادي يخصص لها ثلاث فقرات أما كتاب الصف الثالث الثانوي فيتناولها في صفحة ونصف، فوزارة التعليم وهذا يحسب لها لم تطلب في أي وقت تجاهل هذه المرحلة باعتبار أن التاريخ لا ينسى.

والملاحظ أن التلاميذ يصدمون عندما يعرفون أن بلدهم هزم ويتساءلون على الفور كيف ارتكب القادة مثل هذه الأخطاء ولم يدركوا أن إسرائيل تحضر لهجوم شامل؟. ولمدة تزيد على 6 سنوات ظلت مصر تعاني خلاله من آثار الهزيمة حتى استعادت عافيتها في حرب أكتوبر 73، ولأن الواقعة كانت رهيبة، والصدمة مذهلة كان لابد للأمة أن تسأل وأن تقدم إجابة تتجاوز بها الهزيمة وأسبابها، كانت إجابة الزعامة الوطنية في ذلك الوقت واضحة في جانب، وملفوفة بالغموض في جانب آخر.

فلم تعلق القيادة السياسية في أعلى درجاتها لا علق عبد الناصر ولا علق أنور السادات بعد ذلك على أسباب الهزيمة، كل ما جرى أنه جرى نسبتها لأشخاص قصروا في أداء واجبهم، ومن ثم جرى تفسيرها باعتبارها حدثاً طارئاً أو عارضاً لا يشير لأي عيوب أو مثالب جوهرية في بنية المجتمع والدولة. أما المجتمع المصري ببساطته المعهودة والتي تنم على الصبر الطويل وعدم الجزع في أحلك الملمات والأهوال فكانت لديه إجابة أخرى.

فالهزيمة وقعت لا بسبب قصور في أداء أشخاص، وإنما بسبب الطبيعة التسلطية للنظام السياسي، فلم يكن الزعماء مختارين بحرية من جانب الشعب في انتخابات حرة نزيهة برغم أن الشعب كان مستعدا تماما لانتخابهم في انتخابات نزيهة بدليل ما حدث بعد خطاب تنحي عبد الناصر والانفعال لبقاء الرمز من خلال مظاهرات حاشدة التفت فيها الجماهير حول الرئيس بصورة تدعو للتأمل وجديرة بالدراسة.

وبالنظر إلى ما بعد الهزيمة نجد انه لم تكن هناك مراجعة أو محاسبة سياسية وشعبية مباشرة وغير مباشرة لمن يتولون وظائف السلطة العليا من رئيس الدولة حتى عمدة القرية، بل لم يكن هناك إمكان المحاسبة لأن الصحافة لم تكن حرة، والأفكار محبوسة في الصدور والعقول، والأحزاب السياسية ممنوعة، والجمعيات الأهلية مقيدة ومحاصرة ولا تشارك إلا في حدود صارمة للمسموح وهو قليل، والممنوع وهو كثير.

وبإيجاز قال المفكرون وردد المجتمع وراءهم: إن الهزيمة وقعت لأن النظام السياسي عاش أطول مما يجب بكثير على ما سماه الشرعية الثورية لا الشرعية القانونية الديمقراطية.النظام السياسي كان ثوريا وطغيانيا في آن واحد، ومن الناحية الدستورية يقوم النظام السياسي على فكرة الحكم المطلق، أي الذي يمنح الحاكم سلطات مطلقة لا يمكن مراجعتها ولا سبيل لموازنتها بسلطات أخري، ولربما كان ذلك ضرورياً لفترة قصيرة من أجل إنجاز تحولات اجتماعية صعبة، وتطبيق خطة تنمية طموحة للغاية.

خاصة في مجال التنمية البشرية من تعليم، وصحة، وتدريب مهني، وتأسيس جماعة وطنية للعلم والتكنولوجيا، لكنه في الوقت نفسه كان ضاراً للغاية بالعملية السياسية، وبالسلامة العامة للمجتمع ومؤسساته الكبرى، بما فيها القوات المسلحة، وقد فطن السادات بعد ذلك إلى أن البداية باستعادة سبب الهم العام الذي نغص على الأمة حياتها وكان قرار الحرب وكان النصر في 73 ثم تلاه محاولات البناء الفعالة التي لم تجد نفعاً إلا في اقل القليل حتى جاءت لحظة اغتياله في أكتوبر 81 .

المهم أننا بعد الأربعين عاماً على الهزيمة لابد من استعادة الحيوية الكاملة لنهضة حقيقية تزرع الأمل في نفوس الأجيال المقبلة الذين هم المستقبل الحقيقي لمصر وللأمة العربية جمعاء.

mrashid@albayan.ae