كان الرئيس الفرنسي الجديد نيكولاي ساركوزي صريحاً واضحاً عندما قال ان «تركيا لا تشكل، ولن تشكل، احد بلدان الاتحاد الأوروبي» هذا ما كان قد قاله مراراً أثناء الحملة الانتخابية الرئاسية وأكده أمام الملايين أثناء المناظرة التلفزيونية التي جمعته مع سيغولين روايال قبل عدة أيام فقط من الجولة الانتخابية الحاسمة.
عدل نيكولاي ساركوزي من «لهجة» موقفه المعلن بعد انتخابه رئيساً عندما أكد أن بلاده لن تعارض متابعة المفاوضات مع تركيا في أفق إمكانية انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي والتي كانت قد بدأت بموافقة دوله كلها عام 2005، لكن باريس أكدت بالمقابل أنها سوف تطرح في شهر ديسمبر المقبل عند انعقاد المجلس الأوروبي مسألة «حدود أوروبا» هذا التعبير له ترجمة «دقيقة» في رأس الرئيس الفرنسي وهي أن تركيا تبقى خارج الحدود المقصودة.
بالتوازي مع هذا الطرح الذي يضع تركيا «خارج» أوروبا، شهدت الأسابيع الأخيرة من الحملة الانتخابية الرئاسية لنيكولاي ساركوزي طرحاً آخر يتعلق بالدعوة لإقامة «اتحاد متوسطي» يبدو وكأنه «الأخ التوأم» للاتحاد الأوروبي بفعل تشابه «الملامح» والتوصيفات في «الاتحاد» المتوسطي سيكون له مثل «الاتحاد» الأوروبي «مجلس متوسطي» يمتلك سلطة القرار على غرار «المجلس الأوروبي» وله «منظومة أمنية جماعية» تضمن السلام في حوض المتوسط و «بنك متوسطي للتنمية» لتمويل المشاريع المشتركة.. وهذا كله متوفر في بنى الاتحاد الأوروبي.
فكرة اللقاء المتوسطي والشراكة المتوسطية ليست جديدة بالطبع، وكانت قد وجدت صيغة تحقيقها «الجنينية» في برشلونة عام 1995 عندما تم تحديد المهمة الأساسية في تحديد السياسة المتوسطية للاتحاد الأوروبي.. لم يذهب ذلك التوجه بعيداً، حتى لا نقول انه قد «فشل»، ثم ان فكرة «الاتحاد المتوسطي» التي يغذيها ويمليها التاريخ والجغرافيا ليست بعيدة في الواقع عن التوجه الجيوستراتيجي الفرنسي.
وكان الرئيس شارل ديغول يؤكد دائماً أن قوة فرنسا على مسرح العلاقات الدولية مرتبطة إلى حد كبير بمدى فاعلية «وجودها» في المنطقة المتوسطية وعبرها في إفريقيا. الجديد في طرح الفكرة بالصيغة «الساركوزية» هو القول صراحة ان منظور الاتحاد المتوسطي يمكن أن يشكل «إطارا للعلاقات بين أوروبا وتركيا».
ولا شك أن هذا «المنظور» نفسه يراد له أن يكون مخرجا «من الأعلى» للأزمة الخطيرة التي تلوح في الأفق داخل الاتحاد الأوروبي بسبب «تباين الآراء، واحيانا تناقضها، حيال انضمام تركيا له. هكذا مثلا تعارض المستشارة الألمانية انجيلا ميركل، والرئيسة الحالية للاتحاد الأوروبي، الموقف الفرنسي حيال تركيا وتؤكد انضمامها له دون تحفظ» «عندما تستوفي الشروط المطلوبة». للتذكير يوجد في ألمانيا ملايين العمال الأتراك.
الرئيس الفرنسي كان صريحاً في موقفه دون لبس ومراوغة عندما قال يوم 8 فبراير 2007.. أي عندما أطلق للمرة الأولى من موقعه كمرشح آنذاك الدعوة لإقامة «اتحاد متوسطي» ما نصه : «تركيا بلد متوسطي كبير يمكن لأوروبا المتوسطة أن تدفع معه مسألة تحقيق وحدة المتوسط إلى الأمام».
ما يمكن تأكيده هو أن الرئيس الفرنسي «منسجم» تماما مع توجهه في رفض انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي.. ولا يغير في جوهر الأمر من شيء أنه أرسل «دون ضجيج» بعد انتخابه بأيام قليلة مستشاره الدبلوماسي المقرب جان دافيد لوفيت إلى أنقره «من أجل إيجاد طريق لا يكسر أوروبا ولا يخرب العلاقات الفرنسية ـ التركية» كما شرحت مصادر «مأذونة» في قصر الاليزيه قبل أن تضيف: «نحن بصدد البحث عن هذا الطريق».
المسألة ليست إذن تغيير مواقف وإنما بالأحرى تحديد أولويات. الأولوية الآن بالنسبة للرئيس الفرنسي هي عدم إثارة أية مشكلة مع تركيا، أو مع غيرها، يمكنها أن تعيق الأولوية الأساسية ـ ما قبل الأولى ـ المتمثلة في الوصول مع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي إلى اتفاق حول «معاهدة دستورية مبسطة» كان نيكولا ساركوزي قد حددها أثناء الحملة الانتخابية الرئاسية كـ «مخرج» من المأزق الدستوري الذي وجدت مسيرة التوحيد الأوروبية نفسها فيه بعد أن رفض الفرنسيون وبعدهم الهولنديون، مشروع الدستور الأوروبي (السابق) في استفتاء شعبي عام 2005.
«الاتفاقية الدستورية المبسطة هي الأولوية. ولا يمكن الخلط بينها وبين مسائل الحدود. لذلك سيتم الفصل بين الملفين «هذا ما تقوله أوساط الاليزيه «بصريح العبارة». وبـ «صريح العبارة» أيضا تريد الدبلوماسية الفرنسية الجديدة أن يكون مشروع الاتحاد المتوسطي «حلا بديلا» بالنسبة لتركيا يبقيها خارج حدود أوروبا... ولا بأس أن تلعب دور «قائد الاوركسترا» المتوسطية .. المهم أن تبقى «بعيدة» و «سعيدة».
أنقرة رفضت هذا «الحل البديل وبوضوح أعلنت على لسان مسؤوليها أنها لن تقبل «جوائز» الترضية عبر الدخول إلى «النادي المتوسطي»، باختصار أعلنت أنها لن تقبل «أقل» من الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ونقرأ في أحد تصريحات عبدالله غول وزير الخارجية التركي قوله: «التعاون في حوض المتوسط والتعاون داخل إطار الاتحاد الأوروبي أمران مختلفان.
ان تركيا التي شرعت في مفاوضات مع الاتحاد الأوروبي على قاعدة التزامه الكامل بهذه المفاوضات» واعتبر بالتالي أن التراجع أو النكوص عنها إنما يعني بكل بساطة «عدم احترام ما كان قد جرى التوقيع عليه» والبلدان المسؤولة «لا تلحس» توقيعها.
المسؤولون الأتراك يقبلون على أساس موقف «ديمقراطي» لا غبار عليه، أن تعرف بعض البلدان الأوروبية تطورات سياسية لكنهم لا يقبلون أن يؤثر ذلك على مسار المفاوضات مع بلادهم. الأمر الطبيعي و«المنطقي» هو أن تذهب المفاوضات «المفتوحة» إلى نهايتها حول مختلف الملفات. ثم تتخذ كل دولة أوروبية قرارها في الموافقة، وعدم الموافقة، على انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي. وعندها «سوف تتخذ تركيا أيضا قرارها» حسب تعبير عبدالله غول نفسه.
بكل الحالات، الرئيس الفرنسي لديه خطة «كاملة متكاملة» لمبادرته حول «الاتحاد المتوسطي» انه يحدد الخطوة الأولى بالدعوة إلى مؤتمر في نهاية عام 2008 تحضره الدول الأوروبية المتوسطية السبع: فرنسا وايطاليا واسبانيا واليونان والبرتغال وقبرص ومالطة، ومن يرغب من بلدان جنوب المتوسط ..
وتتمثل الخطوة الثانية في طرح «مواضيع ملموسة» ليست ذات طابع تنازعي مثل حماية البيئة وصيانة البحر المتوسط، ثم عقد لقاءات دورية بين القادة المتوسطين كخطوة ثالثة. أما الملفات التي تشكل عمق المبادرة «المتوسطية» مثل تلك المتعلقة بالهجرة ومكافحة الإرهاب فقادته على الطريق.
وإذا كانت تركيا وموقعها «داخل» حدود أوروبا أو «خارجه» هي في صميم مشروع «الاتحاد المتوسطي» لدى الرئيس الفرنسي نيكولاي ساركوزي، فإن حدوده تتعدى ذلك.. وهذا ما عبر عنه بوضوح أيضا عندما أطلقه يوم 7 فبراير 2007 عندما قال: «ضمن إطار هذا الاتحاد الأوروبي علينا ان نعيد التأمل فيما كان يسمى سابقاً سياسة فرنسا العربية». تركيا السياسة العربية، إفريقيا، كل هذه الدروب تمر عبر «البوابة» المتوسطية.. وعلى كل من هو معني بسياسة فرنسا أن يحسن الرصد .. والقراءة.
كاتب سوري