العنوان.. مباحثات الاثنين الماضي بين إيران والولايات المتحدة. المكان.. بغداد المحترقة غدراً والعارية من أهلها. الزمان.. زمان مر يستباح فيه الأرض والعرض والدين والهوية. الموضوع..
مسلسل اللقاءات الأميركية الإيرانية حلقاته أضحت غاية في التشابك والتداخل ومضامينه أضحت مجهولة على كل الأطراف فلا أحد قادر على حل طلاسم المواضيع التي تدور في تلك اللقاءات الثنائية أو الثلاثية أو السجالات المتبادلة ذات المضامين الغامضة. ولا أحد قادراً على أن يحدد ماذا تريد إيران من الولايات المتحدة أو ماذا تريد الولايات المتحدة من إيران. ولا حتى الحكومة العراقية فهي الأخرى تريد ود كلا (الراعيين) ولا تستطيع وصال كلاهما.
الولايات المتحدة من جانبها أعلنت على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية بان اللقاء مع الجانب الإيراني هو للتباحث حول الهواجس التي تتشاركها كل من الولايات المتحدة والحكومة العراقية حول دور إيران في استقرار الوضع الأمني في العراق.
ومن جانبها أعلنت إيران على لسان وزير الخارجية الإيراني منوشهر متقي أن مسؤولين إيرانيين وأميركيين سيجتمعون في العراق في الثامن والعشرين من الشهر الحالي لمناقشة الوضع الأمني في البلاد ودعم حكومة نوري المالكي. وقال متقي في مؤتمر صحافي في العاصمة الباكستانية إسلام آباد يوم الخميس: «المفاوضات محصورة في العراق فقط وهي ستجري داخل العراق وبحضور مسؤولين عراقيين».
وأشار متقي خلال المؤتمر الصحافي إلى أن «هناك الآن مشكلتين في العراق، الأولى مرتبطة بعدم الاستقرار الناتج عن ممارسات الإرهابيين والمشكلة الثانية تكمن في استمرار احتلال العراق»، وقال: «نعتقد أن التناول الصحيح هو النظر إلى المشكلتين معا».
جاء كلام متقي بعد يوم واحد من حديث مرشد الثورة الإسلامية في إيران علي خامنئي، عن مباحثات بين بلاده والولايات المتحدة تتناول الوضع في العراق، حيث قال إن الغاية منها فقط «تذكير المحتلين بواجباتهم» هناك.
كما وأن خامنئي في حديث بثه التلفزيون الرسمي الإيراني أعلن: «أن وزارة الخارجية الإيرانية قررت نزولا عند طلب العراق أن تشارك في محادثات مباشرة مع الولايات المتحدة لتذكيرهم بواجباتهم ومسؤولياتهم حول أمن العراق». وأضاف: «لقد قدم (الأميركيون) طلبا مكتوبا لإجراء هذه المحادثات، وقالوا إنها لن تتناول أي مسألة سوى العراق. ونحن نقول لهم: حتى العراق لا يعنيكم، والمحادثات ستتناول فقط واجب المحتلين تجاه أمن العراق».
عموما المحادثات قد تمت ومضت كما مضت مباحثات أخرى سبقتها كان أهمها لقاء مؤتمر شرم الشيخ الذي عقد مؤخرا والذي جمع دول جوار للتباحث في الوضع الأمني للعراق. والواقع أن لاشيء تغير في الشارع العراقي المحترق ولم تحرك الأطراف أي مواقف جدية لتهدئة الأزمة العراقية.
ومع ذلك فإن الكامن في تلك اللقاءات التي تجمع الولايات المتحدة وإيران لا يزال أكثر بكثير من المعلن علما أن المعلن هو الآخر ليس واضحا. في المعلن العراق هو النقطة الأساس في مباحثات الطرفين ولكن الكامن يحمل أوراقا أكثر بكثير تبدأ بالملف النووي الإيراني وتمر بلبنان وسوريا وحزب الله والعلاقة بالقاعدة.. الخ.
إدارة بوش ومنذ أول أيامها في البيت الأبيض وضعت إيران في أعلى قائمة الدول المعادية لها أو ما يسمى بالدول المارقة ولو كانت الرياح في العراق سارت وفق الهوى الأميركي لما تجرعت الإدارة الأميركية علقم فتح باب الحوار مع إيران، إلا أن الفوضى في العراق ومسلسل الفشل الذي لا ينتهي لإدارة بوش جعل تلك الإدارة ترضخ لطلبات الكونغرس وبخاصة توصيات لجنة بيكر ـ هاملتون حول العراق التي أوصت بضرورة فتح باب الحوار مع إيران وسوريا.
والتحركات الدبلوماسية الأخيرة التي قامت بها إدارة بوش مع إيران وخاصة بعيد لقاء شرم الشيخ كانت بدافع رغبة إدارة بوش استباق التحركات الدبلوماسية لزعيمة الأغلبية في الكونغرس نانسي بيلوسي، والتي كانت قد أعلنت عزمها القيام بزيارة إلى إيران بعدما قامت بزيارة إلى سوريا مطلع العام الحالي. إذن بوش أراد أن يقدم نفسه أمام الكونغرس والرأي العام الأميركي على انه يسير في قضية العراق بخط مرن وانه قادر على التحرك على جميع الجبهات.
الحوار الأميركي الإيراني مازال متعثرا وفي خطواته الأولى كما أن الطرفين يبدوان غير مقتنعين وغير مندفعين في مفاوضاتهما. ورغم أن الاختلاف والتناقض يبدوان سمة اغلب اللقاءات التي جمعت الطرفين لحد الآن إلا أن أوجه التلاقي موجودة بينهما والتي على أساسها سوف يتحتم عليهما اللقاء والتحاور في المستقبل ومن أهم مناطق التلاقي هي القضية العراقية وتداعياتها السياسية والاقتصادية والإنسانية .
والواقع أن مباحثات إيران والولايات المتحدة سوف تستمر حتى ولو بصورة متقطعة ولكن لا يمكن أن نكون متفائلين في أن ذلك الاستمرار يمكن أن يسفر عنه تطور ملموس على الصعيد الأمني والسياسي العراقي وكذلك الحال في الملفات التي تجمع الطرفين. وسوف تستمر سياسة الشد كما أن الرسائل الكامنة والمعلنة سوف تستمر هي الأخرى.
كاتبة عراقية