بدعوة من اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان القطرية انعقد الملتقى الثاني للديمقراطية والإصلاح السياسي في الوطن العربي في الدوحة في الفترة ما بين 27 ـ 29 مايو 2007.

ضم الملتقى نحو 400 عضو من ساسة، وأكاديميين، ومفكرين، ودبلوماسيين، ونقابيين، وإعلاميين، وممثلي منظمات مدنية، ورؤساء دول وعسكريين سابقين، وأدباء، يمثلون شريطا عريضا من الطيف الفكري الإسلامي، واللبرالي، واليساري، والقومي.

تناول الملتقى بالبحث تسعة محاور هي: الأحزاب السياسية والمجتمع المدني ـ الدساتير وحكم القانون - المرأة والشباب والمشاركة السياسية - دور وسائل الإعلام ـ الحكومات والبرلمانات ـ الموارد ودور القطاع الخاص في دعم الديمقراطية - الدولة والإسلام والأقليات ـ والعدالة في الفترة الانتقالية. بحث الأعضاء هذه الموضوعات في شكل مجموعات ثم قدموا توصيات لجمعية عمومية درستها وأصدرت بياناً ختامياً نشر على الرأي العام.

كان البحث جاداً، وصريحاً، وحراً حرية لم يعهد المشاركون مثلها إلا عندما يغادرون أوطانهم مسافرين عبر البحر الأبيض المتوسط أو عبر الأطلسي. السؤال الذي طرحه عليّ كثيرون مراراً كيف ولماذا تقدم امارة ذات حواضن تقليدية على مثل هذا العمل؟.

لكل حدث ذي بال ظروف موضوعية، وأخرى ذاتية تفسره. أما الظروف الموضوعية فهي أن الدول النفطية قد تهيأت لها ثروة هائلة مكنتها من تحقيق تحديث اقتصادي وتعليمي، ومن الانفتاح نحو العالم بصورة واسعة عبر البعثات التعليمية والسياحات، وعبر جيش جرار من الخبراء والمهنيين الذين جذبهم الاقتصاد سريع النمو.. والنتيجة أن هذه البلدان صارت تحظى باقتصاديات قوية، وبنية تحتية قوية، وبمؤسسات تعليمية حديثة، وبمؤسسات استثمارية وخدمية ومالية متطورة.

هكذا نشأت قوى اجتماعية حديثة بينما النظم السياسية ما زالت تحكمها قوالب تقليدية مناسبة تماماً للبساطة الاجتماعية القديمة، والعزلة العالمية المصاحبة لها، ونشأت نخب من نفس أبناء وبنات الأسر الحاكمة أدركت ضرورة تطوير الأطر السياسية بشكل يواكب التطور الاقتصادي والتعليمي في اتجاه المشاركة، والمساءلة، والشفافية، وسيادة حكم القانون.

أمير قطر الحالي الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني وزوجه الشيخة موزة بنت ناصر المسند، وزملاؤهما، نالوا تعليماً حديثاً، وتفاعلوا مع تطلعات جيلهم، فولدت فيهم نزعة الإصلاح والتجديد الموجودة الآن بدرجات متفاوتة في كل المنطقة.. نزعة تفسر المشروعات التجديدية في مجالات كثيرة: تنموية ـ ثقافية - دبلوماسية ـ تعليمية -إعلامية وهلم جرا، يجري هذا في وقت فيه تشهد الأجزاء الأخرى في العالم العربي تطلعا للتحول الديمقراطي يسلم بضرورته من حيث المبدأ كافة الحكام، وتتوثب لتحقيقه الشعوب مع اختلاف في الدرجات، بين ما يقبله الحكام، وما تتطلبه الشعوب..

هكذا نشأ تسليم في المنطقة كلها بالحاجة الماسة للتغيير، حاجة يحاول تلبيتها الغلاة بالهروب الانكفائي للماضي تحت شعارات الخلافة، وتحاول الهيمنة الدولية إشباعها بالهروب الاستلابي للوافد تحت شعارات الشرق الأوسط الجديد أو الكبير.

ومهما اختلف حول أنماط الإصلاح السياسي فبين أيدينا تجارب عالمية ثرية فيما جرى من تحولات ديمقراطية، وتنمية بشرية، وتجارب مجاورة: مثل تركيا التي تتجه نحو مرابطها الحضارية في المجال السني، وماليزيا كذلك؛ وإيران في المجال الشيعي. وقد اعتمدوا التعددية، والانتخابية، والمرجعية الإسلامية وحققوا تنمية بشرية ليس كمثلها شيء في البلدان العربية.

ما بين انكفاء الغلاة، واستلاب الغزاة، ملتقى قطر يمثل تعلقا بطريق ثالث نابع من الذات ومستجيب لمطلبي التأصيل والتحديث، شاركت في الملتقى ودارت مداخلتي في نقاط أوجز أهمها في الآتي:

أولاً: تتطلع الأمة لمشروع نهضوي يوفق بين التأصيل والتحديث، ويحقق التنمية البشرية بأبعادها الفكرية، والثقافية، والاقتصادية، والاجتماعية في حاضنة ديمقراطية.

ثانياً: ينبغي تجاوز ثنائية الإسلامي والعلماني باعتماد الحرية للكافة ما داموا يلتزمون بأمرين: المساواة في المواطنة والاستحقاق الديمقراطي.

ثالثاً: ينبغي تجاوز التناول المبتسر لحقوق المرأة والالتزام بإزالة كافة أنواع الاضطهاد للمرأة.

رابعاً: إقرار آلية السوق الحر كرافع تنموي بشرطين: السوق الحر ذي الوجه الآدمي، أي الرعاية الاجتماعية.

استصحاب العولمة في مجالاتها الموضوعية والحميدة الثلاثة: الاستعداد لإدارة الملكية الكوكبية المشتركة للأرض كأعماق البحار والفضاء، والغلاف الجوي، والقطبان، والتخطيط لبرنامج المصير الإنساني المشترك الذي ظهر في المؤتمرات العالمية للبيئة (1992م) والسكان (1995م) وغيرهما، والسوق العالمي الذي فتحته ثورة المعلومات والاتصالات والمواصلات. مع تجنب سلبيات العولمة الخبيثة الأربع: ظاهرة «الرأسمالية النفاثة» وهي حماسة للتنافس والربحية تندفع غير مبالية بآثار إنسانية واجتماعية سلبية؛ واختلال ميزان الثروة والقوة العالمي، والجريمة الدولية المنظمة، وثقافة التسلية الأميركية.

خامساً: تجاوز ثنائية الداخل والخارج بإقرار: أن مصدر الإصلاح داخلي، وأن مرونة مفهوم السيادة للوفاء باستحقاقات المصالح المشتركة الإقليمية- واستحقاقات التعامل الندي التعاوني مع الدول الديمقراطية في مجال المصالح المشتركة- والوفاء باستحقاقات المواثيق الدولية التي أبرمناها.

سادسا: الاعتراف بأن الحقب الماضية قد شهدت في كثير من البلدان ممارسات ظالمة ينبغي أن يتناولها مشروع الإصلاح بالآتي:

تكوين هيئات وطنية عدالية لتحري الحقيقة والمساءلة أو التعافي ورفع المظالم. التصديق على آليات العدالة الدولية ذات الاختصاص.

سابعاً: ان تمسك الحكومات عن احتكار السلطة بأي ثمن، وتمسك المعارضة عن امتلاكها بأي ثمن، قاد في كثير من الحالات وسوف يقود في غيرها إلى استقطاب حاد يدمر الوطن ويتيح الفرص لأطماع أعدائه. هذا يوجب تجاوز صيغة الحوار «المزاجي» بين الحكام وشركائهم في الوطن، وتحقيق التراضي الوطني الشامل عبر ملتقى وطني جامع. هذه المداخلة وغيرها من المداخلات وتوصيات المجموعات غذت البيان الختامي.

ولكن أهم إنجاز أثمره الملتقى هو تجاوز الوقوف عند إصدار التوصيات وتكوين المؤسسة العربية للديمقراطية، التي سوف تصبح بيت حرية عربيا يرصد المسيرة الديمقراطية، ويدعمها بكل الوسائل المشروعة، ويتعاون مع الهيئات الإقليمية والدولية ذات الأهداف المماثلة.

إذا سلمنا أن التحول الديمقراطي هو شرط للتصالح بين الحكومات وشعوبها، وهو وسيلة للتعامل المجدي بين البلدان العربية، والأسرة الدولية، فمن الواجب الوطني، والقومي، والديني أن نسعى لتحقيقه ضمن المشروع النهضوي بالحكمة والإرادة الواعية. والقاعدة الشرعية: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وقديما قال أبو الطيب:

الرأي قبل شجاعة الشجعان

هو أول وهي المكان الثاني

ولربما صرع الفتى أقرانه

بالرأي قبل تصارع الأسنان

رئيس حزب الأمة السوداني