هل تنسى واشنطن أن الولايات المتحدة كانت الدولة العظمى الوحيدة التي شذت عن الإجماع الدولي في مقاطعة نظام الأقلية البيضاء العنصري في جنوب إفريقيا؟ وهل تنسى أنه كان هناك حلف ثلاثي يجمع نظام الأقلية البيضاء مع إسرائيل والولايات المتحدة؟

وهل تنسى أن الولايات المتحدة وإسرائيل كانتا الدولتين الوحيدتين اللتين صوتتا ضد أي مشروع قرار في الجمعية العامة للأمم المتحدة يدعو حكومة الأقلية البيضاء إلى إطلاق سراح الزعيم نيلسون مانديلا؟ سجلات التاريخ القريب لا تسعف أحدث رئيس أميركي الآن بأي قدر من المصداقية حين يتحدث عن نشر الديمقراطية في العالم والغيرة على حقوق الإنسان وسيادة القانون من موقع وصاية ذاتية، وكأن الولايات المتحدة هي المرجعية العليا وسدرة المنتهى للنهج الديمقراطي. ثم إن وقائع الماضي تمتد على مساحة الحاضر.

في أحدث خطاباته شن الرئيس بوش هجوماً على أنظمة حاكمة في عدد من الدول هي إيران والسودان وزمبابوي وفيتنام وكوريا الشمالية وكوبا وفنزويلا.. بل وروسيا والصين أيضاً. وبغض النظر عن طبيعة الأنظمة السياسية المطبقة في هذه الدول فإن قاسماً مشتركاً واحداً يجمع بينها على اختلاف توجهاتها الاستراتيجية ومواقعها الجغرافية، فهي جميعاً تنهج نهجاً استقلالياً في سياق تحرك كل منها في الساحة الدولية وخاصة في التعامل مع الولايات المتحدة، وعلى هذا المنوال فإنها لا تخضع للإملاءات الأميركية التي تنبع من المصالح الدولية لأميركا أو اعتبارات حماية إسرائيل أو كليهما.

هكذا تقوم الإدارات الأميركية المتعاقبة بتصنيف الدول وأنظمتها الحاكمة وقادتها لا على أساس أي معيار ديمقراطي وإنما على أساس رؤية انتقائية ذاتية، ومن هذا المنظور فإن طبيعة التحرك الاستراتيجي للولايات المتحدة في ساحة العلاقات الدولية لم يطرأ عليها أي تغيير ما بين الحاضر والماضي على مدى ما ينيف على 60 عاماً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية مع تعاقب الرؤساء الأميركيين.

باسم الدعوة الزائفة إلى نشر الديمقراطية عالمياً تتخذ الولايات المتحدة اليوم مثلاً موقفاً عدائياً راسخاً ضد النظام الراديكالي الإسلامي في إيران، لكنها كانت على علاقة تحالفية راسخة من نظام الشاه الاستبدادي، والعلة مفضوحة: نظام الشاه كان حليفاً لإسرائيل بينما يشكل النظام الراديكالي المعاصر تهديداً جسيماً لأمن الدولة اليهودية لأنه يدعم المقاومة اللبنانية المتمثلة في «حزب الله» وبات يمتلك برنامجاً نووياً مرشحاً للتحول إلى مستوى إنتاج أسلحة نووية ما يؤدي إلى تحييد الترسانة النووية الإسرائيلية ـ الوحيدة من نوعها حتى الآن في منطقة الشرق الأوسط.

قس على ذلك الحالات الأخرى في الماضي والحاضر، في الماضي كانت أميركا تستهدف بعدائها الناشط نظام عبدالناصر في مصر ونهرو في الهند وأحمد سوكارنو في إندونيسيا. واليوم وبنفس القدر فإن العداء الاستراتيجي الأميركي أصبح يشمل موغابي في إفريقيا وشافيز في فنزويلا وأورتيغا في نيكاراغوا على سبيل المثال لا الحصر.

بإيجاز.. فإن الدعوة الأميركية إلى نشر الديمقراطية في العالم لم تعد تثير سوى الاشمئزاز.