فجأة تعمدت إسرائيل تسليط الأضواء على الملف السوري، وهي تفعل ذلك بصورة تثير الشبهات، كالعادة وأكثر، أرسلت إشارات وتلميحات متذبذبة ومتضاربة، توقيت حراكها يطرح هو الآخر علامات استفهام في آن واحد. راحت، في الأيام الأخيرة، تتحدث بلسانين: بواحد عن السلام وبآخر عن الحرب، انها «صحوة» ملغومة وتلويح سافر بالخيار العسكري واللسان الثاني ليس غريباً عليها. هو لسانها الطبيعي. فهي لا تتحدث به عادة إلا من باب الخداع وذر الرماد في العيون.

لكن يبقى الملفت، هذه الأيام، هذا التزامن بين الاثنين في خطابها؛ وهذا التصويب نحو سوريا بالذات التصريحات السياسية والعسكرية الإسرائيلية توالت بصورة ملحوظة؛ في هذا الإطار، رئيس الأركان، الجنرال اشكينازي، يقول إن «التهديد السوري ملموس»! عسكريون آخرون يرددون بأن الحرب مع سوريا «زاد» احتمال وقوعها؛ وأن تل أبيب تقوم بالاستعداد لها.

أخذ هذا الكلام جديته عندما كشف الجيش الإسرائيلي عن مناورات مكثفة في النقب، رافقتها تسريبات وتقارير تحدثت عن أسلحة حصلت عليها دمشق مؤخراً من إيران! أيضاً الصحافة الإسرائيلية نسبت إلى ضباط في القيادة إعرابهم عن اعتقادهم بأن اشكينازي «جاد» في اعتقاده، حول ما سمي بـ «التهديد» السوري.

بموازاة ذلك حرصت تسريبات أخرى على إشاعة أجواء في الاتجاه المعاكس، مفادها أن أولمرت بعث بتطمينات، عبر قنوات دبلوماسية غربية، إلى دمشق، تؤكد بأن إسرائيل «لا تريد الحرب بل السلام معها». أعقب ذلك كلام منسوب له، لا وظيفة له إلا زيادة البلبلة؛ إذ قال: «لسنا عشية حرب مع سوريا ولكننا أيضاً لسنا عشية استئناف المفاوضات معها».

وكانت مصادر حكومته قد أشاعت قبل أيام بأن الوزير موفاز غادر إلى واشنطن لاستطلاع موقف الإدارة الأميركية «حول فكرة فتح قناة حوار مع دمشق» بعد اجتماعه بالوزيرة كوندوليزا رايس تردد بأن الإدارة «ليست متحمسة الآن لهذه الفكرة»؛ على اعتبار أنها «تعطي الأولوية حالياً للملف الفلسطيني»!

كوكتيل من الإشارات المتلاطمة، التي تبدو وكأنها في سباق مع الزمن والمعروف أن أولمرت سيقوم بزيارة إلى واشنطن يوم 19 الجاري، كما أن حزب العمل قادم على اختيار زعيمه، الأسبوع المقبل. باراك يقول إنه، إذا فاز، يعتزم الانسحاب من حكومة أولمرت، في حال رفض هذا الأخير الاستقالة. هل أولمرت في صدد تحضير شيء لصيف، قيل إنه سيكون شديد السخونة في المنطقة؟ هل هو يستعد لإحباط تطورات لا يريدها ولا تريدها إسرائيل؟

إن ما يبدو ازدواجية في خطاب حكومة أولمرت وعسكره، لا يراد به سوى التمويه، في حقيقته هو خطاب حربي تصعيدي، مغلف بعزف مزيف، على وتر السلام المزعوم. اذا كان يبغي التسويات السلمية فما على اولمرت أو غيره إلا التجاوب مع مبادرة السلام العربية.

لكن ليس هو المراد، وعندما تكون الصورة بهذا الشكل فإن ما يجري من ثرثرة إسرائيلية حول السلام لا يندرج إلا في خانة التمهيد للنقيض، الذي جعلت منه تل أبيب خبزها وأوكسجين استمرارها منذ أن قامت فهي به وجدت وعليه تعيش.