أنتجت التصريحات الإسرائيلية المتناقضة فيما يخص الموقف مع سوريا مؤخراً جواً ضبابياً صعَّد من أجواء التوتر المرتفعة أصلاً في المنطقة. فمن جهة، يتحدث بعض كبار المسؤولين الإسرائيليين عن احتمال إعادة فتح ملف مفاوضات السلام مع سوريا بكل ما يعنيه ذلك من احتمالات الاستقرار والازدهار التي قد تسود المنطقة في حال نجاح تلك المفاوضات.

ومن جهة أخرى، يلوح بعض المسؤولين الآخرين باحتمال نشوب حرب شاملة على الجبهة مع سوريا ويدللون على ذلك بالمناورات العسكرية الإسرائيلية المكثفة على جبهة الجولان والتعزيزات الكبيرة للجيش هناك.

وكلا الجانبين يشير إلى خطوات عملية على الأرض تعزز من وجهة نظره، فهناك من يقول إن إسرائيل اطمأنت إلى أن الجانب السوري جاد في طرحه للسلام وإن هناك فعلاً مفاوضات سرية بين الجانبين لوضع أسس السلام قبل الإعلام عن استئناف المفاوضات بشكل رسمي، وإن كلا الطرفين السوري والإسرائيلي غير مستعدين لخوض حرب شاملة لا يعرف أحد إلى أين ومتى ستمتد نيرانها.

فالعدوان الإسرائيلي على لبنان في الصيف الماضي لقن إسرائيل درساً قوياً بأن الحسم العسكري أمر غير ممكن مع بضع مئات من المقاتلين في جنوب لبنان، وسيكون بالتأكيد أكثر صعوبة مع سوريا التي عززت قوتها العسكرية في الفترة الماضية بشكل ملحوظ وغيرت من أسلوبها في المدرسة القتالية بما يتناسب والدروس التي أفرزتها حرب لبنان الأخيرة.

أما سوريا، مع أنها صعدت من التركيز على قضية الجولان في الخطاب السياسي مؤخراً، فلا رغبة لديها بدخول حرب قد تدمر البنية التحتية السورية وتكلف البلد ما لا طاقة له به من خسائر مادية وبشرية. ولذلك فإن المسؤولين السوريين يؤكدون بشكل يومي تقريباً استعداد سوريا للعودة إلى طاولة المفاوضات للوصول إلى حل عادل.

ولاشك هنا بأن قرار الحرب والسلام هو قرار إسرائيلي بالدرجة الأولى. فتفوقها العسكري الواضح يعطيها زمام المبادرة ويشكل حافزاً لبعض الصقور في إسرائيل لتوجيه ضربة عسكرية قوية إلى سوريا تعيد إلى إسرائيل هيبة الردع التي فقدتها مؤخراً، لكن هذه "الجزرة" لها ثمن باهظ قد لا يكون المجتمع الإسرائيلي، الذي أظهرت استطلاعات الرأي مؤخراً ميله إلى السلام، مستعداً لدفعه، وكذلك فإن للسلام ثمناً كبيراً أيضاً يحتاج إلى حكومة إسرائيلية قوية مستعدة لدفعه.

فالسلام يعني التخلي عن مرتفعات الجولان وعلى الأرجح ستكون هناك اتفاقية للانسحاب من مزارع شبعا أيضاً - وهي مستودع مائي ضخم - بالإضافة إلى انعكاسات ذلك على المسار الفلسطيني. ولعل الحكومة الإسرائيلية الحالية غير مستعدة بعد لتحمل آلام "عصا" السلام مع سوريا.

لكن الأرجح بين الخيارين هو أن إسرائيل تنوي العودة إلى مفاوضات السلام من باب الغطرسة والتهديد بالقوة العسكرية حتى لا تبدو ضعيفة ومغلوبة على أمرها. وهنا لابد للراعي الأمريكي من لعب دور فاعل لتشجيع إسرائيل للعودة إلى مفاوضات السلام بدل إعاقتها، لأن عصا السلام - مهما كانت غليظة - أرحم ألف مرة من جزرة الحرب التي قد تسمم من يأكلها.