أخطر ما في ظاهرة العولمة أنها استطاعت لأول مرة في التاريخ أن توجد مجموعة محدودة من المفكرين ورجال الأعمال والساسة يدعون لخطاب كوني موحد يديرون به شؤون الكوكب الصغير. هذه المجموعة تمثل النخب في بلادها، سواء أكانت ترتبط بمراكز صنع القرار أو ترتبط برجال الأعمال أو ترتبط بصناعة الأفكار المختلفة والترويج لها.

وليس المقصود بالنخبة هنا تلك المجموعة المحدودة والضيقة القادرة على تحديث المجتمع بدرجة كبيرة من العقلانية والتنوير، ولكن المقصود بذلك أنها تلك المجموعة التي تستطيع أن تحرك المجتمع وفقاً لأهوائها ومصالحها الذاتية الضيقة والأنانية من خلال مواقعها المتميزة مجتمعيا وماديا وسياسيا.

وبينما كنا نتحدث في الماضي عن هذه النخب ضمن سياقاتها المجتمعية المحلية، فإننا الآن نتحدث عن نخبة كونية جديدة تتجاوز تلك السياقات المحلية والإقليمية إلى سياقات كونية شاملة، إلى الحد الذي يمكن معه القول إن العالم تحكمه الآن هذه النخبة الكونية المحدودة العدد، ضمن تفاوتات واضحة فيما بينها على صعيد ممارسة الأشكال المتنوعة والمختلفة من القوة والتأثير.

واللافت للنظر هنا أن الكثيرين ممن يتناولون العولمة يتحدثون عنها كما لو كانت ظاهرة مستقلة، تنطوي على ماهية مفارقة للبشر الذين أوجدوها ونشروها وتعاطوا معها ومع آلياتها المختلفة. وبدون الوقوف عند آليات هذه العولمة فإن المناقشات والمجادلات المختلفة سوف تقودنا إلى قوة سرمدية مفارقة للفعل الإنساني المحدد بسياق جغرافي وتاريخي معين.

فالعولمة تمثل محاولة من أجل الإطاحة بالحدود الجغرافية والزمنية كما يزعم البعض من الذين يتحدثون عن تلك القرية الصغيرة التي تنتهي إليها علاقاتنا المختلفة. ورغم تلك المحاولات التي تنشدها العولمة من أجل الإطاحة بكل الحدود المتعارف عليها، فإن واقع الأمر يكشف عن تعاظم تلك الحدود، ليس على المستوى الكوني، بل وعلى مستوى القطر الواحد ذاته.

ويمكن تفهم تعاظم تلك الحدود من خلال الوقوف عند مفهوم النخب الكونية الحاكمة للعالم المعاصر. بالطبع نحن لا نفترض هنا أن تلك النخبة الكونية تجتمع عدة مرات في العام من أجل تسيير شؤون الكون؛ فهذا تصور عبثي، وإن كان يتم من خلال تلاقي المصالح العابرة للقوميات المختلفة. لكن الأمر الأكثر وضوحاً الآن أن العولمة تتحقق من خلال تلاقي مصالح هذه النخب الضيقة التي تتوزع عبر معظم أرجاء العالم الآن.

ففي كل منطقة جغرافية معينة يوجد وكلاء إعلاميين لتنفيذ خطط إعلامية تبدو كونية، لكنها في الحقيقة تحقق مصالح القوى الكبرى المهيمنة على صناعة الإعلام الكوني. وفي كل دولة من دول العالم النامي بالأساس يوجد مفكرون ذوو ارتباطات فكرية مسبقة بدول المركز الأكثر تأثيراً، حيث يروجون للنظريات والأفكار الغربية المختلفة ويدعون لها.

ومن أكثر الجوانب التي تروج لها العولمة عبر كل تلك الممارسات المختلفة هو تلاشي الزمان والمكان، وهى أكذوبة صارخة يفندها تعاظم المسافات والمساحات بين البشر ليس على المستوى الكوني فقط، ولكن على المستوى القطري ذاته. فالشاهد أن العولمة تمت من خلال تشكيل نخبة كونية متجانسة بدرجة أو بأخرى في المشارب والتطلعات.

لكن هذا التجانس النخبوي قد صاحبه تهيمش غير مسبوق لأعداد غفيرة من البشر في كل مكان في العالم، تعيش على تخوم هذه النخب ولا تشترك معها في تلك المشارب والتطلعات. فالذين يتحدثون عن ضغط الزمان والمكان، وسهولة الحركة والسفر والترحال، ينسون أو يتناسون في الوقت نفسه تلك البلايين ممن يعيشون في المناطق الفقيرة العشوائية وفي الجبال والغابات والصحاري، بمعزل عن كل تلك المستويات العولمية النخبوية الجديدة.

لقد خلقت العولمة تهميشاً غير مسبوق لملايين البشر في القطر الواحد. فما الذي يربط الفقراء في صعيد مصر بتلك الأسواق الفاخرة الجديدة المنتشرة في ضواحي مدينة القاهرة. وما الذي يربط بين فقراء أحراش أميركا اللاتينية وتلك المحال الفاخرة المتوافرة في عواصم القارة العجوز.

وما الذي يربط بين بلايين الفقراء الآسيويين وتلك الأبراج الفاخرة المنتشرة في كافة أرجاء آسيا. لقد خلقت العولمة بشراً جدد خارج سياق احتياجاتها. ورغم الاستغلال البشع للعمالة الرخيصة الذي تقوم به العولمة الحالية، فإنها قد تركت أيضاً ملايين الأيدي العاملة خارج سياق التشغيل، وحجزتهم ضمن معازلهم الفقيرة، يقتاتون الفتات، ويمضغون الإحباط ليل نهار.

إن إحدى أهم آليات العولمة المعاصرة اليوم تتمثل في خلق نخبة ضيقة على المستوى الكوني، تتحكم في الاقتصاد والإعلام والسياسة والنظريات والأفكار، ثم تنشأ نخباً تابعة لها تروج لكل هذه المستويات المختلفة، حيث تخلق حيزاً آخر من المتعاملين مع منتجات العولمة.

تصبح هذه النخب التابعة مجرد أدوات في أيدي النخبة الضيقة الأولى وظيفتها الأساسية توسيع عملية الاستهلاك التي تروج لها تلك النخبة الضيقة. فرغم عملية التهميش غير المسبوقة التي أدت إليها العولمة، فإنه من المفيد أيضاً توسيع دائرة الاستهلاك لمنتجاتها المختلفة، وإلا فإنها سوف تنهار، وتخسر الكثير من مشاريعها وآلياتها المختلفة.

وعلى العكس مما يردده البعض، فإن العولمة تتعارض في تجلياتها الجديدة مع سهولة حركة البشر من مكان لآخر. فاللافت للنظر أن العولمة المعاصرة تتسم بسهولة الحركة والتدوير لرأس المال الباحث عن الربح السريع. فما يحدث في الواقع يتمثل في وقف موجات الهجرة من منطقة لأخرى، كما كان الحال فيما سبق، حيث تتحرك المصانع ذاتها إلى المناطق الفقيرة الأوفر في الأيدي العاملة.

والأمثلة على ذلك عديدة، فقد انتقلت العديد من مصانع النسيج الأميركية إلى أميركا اللاتينية مستفيدة في ذلك بتلك الميزات غير العادية من رخص الأيدي العاملة من ناحية، والمزايا الممنوحة لأصحاب تلك المصانع من حيث الأسعار التمييزية الخاصة بمصادر الطاقة والمياه والتسامح غير المسبوق تجاه التلوث البيئي من ناحية أخرى.

واللافت للنظر هنا أن المستفيد الأول من حركة رأس المال الجديد هو تلك النخب الحاكمة ورجال الأعمال، ناهيك عما تحققه الشركات العالمية من مكاسب هائلة. وفي كل الأحوال تزداد الغالبية الغالبة من البشر فقراً وتدهوراً على كافة المستويات المعيشة، بما فيها المستوى الصحي والاجتماعي والتعليمي والسكني والبيئي.

والشيء المخيف في هذا السياق أن الكثير من الدول الفقيرة قد منحت رأس المال العولمي الجديد العديد من المزايا التي تتعارض مع أبسط القواعد الإنسانية، ومع كافة المعاهدات الدولية الخاصة بحقوق العمال. بل إن بعض هذه الدول، مثلما الحال في دول جنوب شرق آسيا، قد فتح الباب على مصراعيه أمام أشكال جديدة من السياحة تتعارض مع الكثير من القيم الأخلاقية رغبة منها في إرضاء تطلعات رجال الأعمال من جانب، وزعماً منها بأن ذلك يوفر الكثير من فرص العمل أمام الكثير من الأيدي العاملة.

يتجاهل الكثير من المتحدثين عن العولمة اليوم مسألة القوة المرتبطة بها، ويتحدثون عنها كما لو كانت عملية أخلاقية الغرض منها نشر قيم كونية شاملة تشمل الجميع، وتعم بالخير على كافة أرجاء الكون. وفي الحقيقة فإن العولمة مثلها مثل غيرها من مراحل التاريخ البشري المختلفة عملية ترتبط بذلك التفاوت الحاد والمفضوح بين الدول القوية والدول الفقيرة، وهو الأمر الذي يزيد من حدة الإفقار والتهميش بين دول الشمال الغنية والقوية والمهيمنة وبين دول الجنوب الفقيرة والضعيفة والخاضعة.

يحتاج خطاب العولمة إلى درجة كبيرة من التعامل النقدي الحاد والبناء في الوقت نفسه. وبدون هذه التعامل النقدي سوف تمارس النخب المتواطئة التابعة المزيد من الترويج لهذا المفهوم، والتسبيح بحمد المنتجات الغربية، الذين لا يستطيعون العيش بدونها ولا يستطيعون التحرك بدون التمسح الخانع بمنتجيها.

ويأتي في طليعة تلك النخب أشباه المثقفين الذين ينشرون خطاباتهم الخبيثة التي تروج لقيم العولمة ومنتجاتها المختلفة، متمسحين تارة بقيم العدل والتسامح والخير، وتارة ثانية بالحوار الإنساني الشامل، وتارة ثالثة بسادتهم الغربيين الذين تتبدد أفكارهم وقدراتهم وعزائمهم في حضرتهم. هذه النوعية من النخب الجديدة تحتاج إلى مواجهات نقدية حادة، ومستويات صارمة من النقد والفضح على كافة المستويات والمحافل والمنتديات، وقانا الله شر خطاباتهم.

كاتب مصري

salehabdelazim@hotmail.com