رؤية الآخر لها دائماً فائدتها حتى ولو كانت معادية أحياناً. فنحن العرب نشكل عن أنفسنا صورة معينة ونتوهم أحياناً أن الآخرين يروننا بنفس المنظار. وهذا غير صحيح بالطبع. فالرؤية عن بعد غير الرؤية عن قرب، ورؤية الآخر غير رؤية الذات. وأحياناً يرى فينا الآخر أشياء قد لا نراها نحن. وجمال عبدالناصر أثار اهتمام معظم الصحافيين والمثقفين في الغرب.
وجميعهم حاولوا الاقتراب منه أو مقابلته لكي يعرفوا من هو هذا الرجل الذي يجيش الشارع العربي بالملايين. ما سر جاذبيته المغناطيسية والكاريزما، أي الهيبة الشخصية التي تحيط به؟ ما هي أهدافه ومشاريعه بالنسبة لمصر والأمة العربية ككل. ما هي نواياه تجاه إسرائيل والغرب بشكل عام؟ ما موقفه من الشيوعية، والاتحاد السوفييتي والحرب الباردة؟
هل يكره الغرب أم يحبه؟ كل هذه الأسئلة كان المثقفون الغربيون والصحافيون يحملونها معهم عندما يجيئون إلى مصر لمقابلة هذا القائد الفذ الذي ملأ الدنيا وشغل الناس. سوف أستعرض فيما يلي آراء هؤلاء المثقفين لكي تكتمل الصورة عن جمال عبدالناصر، لكي نراه من خلال مرآة أخرى غير مرآة العرب. هناك بالطبع آراء معادية له، وآراء مؤيدة، وآراء بين بين. وسوف نستعرضها كلها على التوالي.
رأي جان لاكوتير انه صحافي فرنسي معاصر، تجاوز الثمانين من العمر، وقد عاش في مصر عدة سنوات وبالتالي فهو يعرفها ويعرف مثقفيها وقادتها عن كثب. وقد قابل جمال عبدالناصر أكثر من مرة وألف عنه كتاباً مشهوراً بالفرنسية. يقول بما معناه: عندما قابلته عام 1955 قلت له بأن مطالبه في فلسطين مبالغ فيها وقد تهدد السلام العالمي.
فنظر إلي نظرة مليئة بالغضب قبل أن يجيب بكل عقلانية وتوازن: دائماً تطلبون من الدول الصغيرة أن تراعي السلام العالمي. لا أحد يطلب ذلك من الدول الكبرى، من بلدان الغرب: من لندن، أو باريس، أو واشنطن. ثم يردف لاكوتير قائلا: ولكن جمال عبدالناصر كان قادراً على السيطرة على نفسه.
وهذه هي إحدى صفاته الشخصية. والشيء المدهش معه هو أنه يعطيك انطباعاً بأنك تستطيع أن تسأله عن أي شيء، أن تذهب معه بعيداً في الحديث، إن جاذبيته الشخصية تمارس تأثيرها على كل زواره الأجانب. وكثيراً ما يسحرك بلطفه وقوة شخصيته وصراحته.
ولكن هذا الشخص اللطيف بل وحتى الخجول تقريباً يمكن أن يكون قاسياً مع خصومه إلى حد سجنهم أو تعذيبهم أو إعدامهم. ولكنه لم يكن دموياً إلا في الحالات القصوى وعندما يجبر على ذلك، هذا لا يعني بالطبع أننا نعذر نظام المخابرات الذي أسسه وانتعش في عهده. وربما كان اللطخة السوداء الوحيدة في تاريخه.
فهو المسؤول عن كل ما حدث في مصر بين أبريل 1954 وسبتمبر 1970 لأنه كان الحاكم الأوحد. وبالتالي فلا يمكن أن نلقي بالمسؤولية فقط على قادة المخابرات من أمثال صلاح نصر أو من تلاه، و لكن لأنه كان يشعر بأنه مهدد من الداخل والخارج فإنه شكل نظاماً مخابراتياً معقداً جداً، وعلى كافة الأصعدة.
في الواقع إن النظام الناصري لم يكن يرتكز على الجيش بالدرجة الأولى، وإنما على المخابرات. وكل معاوني عبدالناصر جاؤوا من صفوف المخابرات ما عدا هيكل والمشير عبدالحكيم عامر. فزكريا محيي الدين، وعلي صبري، وشمس بدران، وشعراوي جمعة، وسامي شرف، وأمين هويدي، كلهم جاؤوا من قسم المخابرات.
لقد كانت أجهزة المخابرات هي القوة العظمى في عهد عبدالناصر. كانت متواجدة في الجامعات، والأحياء العمالية، بل وحتى في دمشق، وجنيف، وبيروت، والجزائر. في كل مكان كانت موجودة ما عدا في إسرائيل حيث استطاعوا كشفها وتحييدها بسرعة.
كان عبدالناصر مسلماً حقيقياً ولكن بالمعنى المنفتح والحديث للكلمة. ولهذا السبب اصطدم بجماعة الإخوان المسلمين الذين كانوا يحملون تصوراً آخر عن الدين، وكان يؤمن بالتقدم، بأن يعيد لمصر عزتها، وكذلك للعرب. كان يريد أن يخرجهم من التخلف والبؤس لكي يدخلهم في التاريخ، كان هدفه الأساسي في البداية انتزاع استقلال مصر.
فما لم يحققه سعد زغلول إلا جزئياً حققه هو كلياً. فخلال أربع سنوات استطاع أن يخلص مصر من براثن الاحتلال الإنجليزي، ولكن حصل إفقار ثقافي في مصر أثناء حكم عبدالناصر. فالتيار الليبرالي همش، وبعض المثقفين هربوا إلى الخارج لكي يفكروا بحرية. وهنا تكمن النقيصة الثانية من نواقص النظام الناصري.
ثم يردف جان لاكوتير قائلاً: جمال عبدالناصر شخص ذكي جداً. ولكنه ذكاء عملي أكثر مما هو نظري. أقصد بذلك أنه لا يرتكز على ثقافة واسعة، وإنما على فطنة شخصية وخبرة بالحياة على طريقة دهاء الفلاح الصعيدي من أهالي مصر. وعندما كان أستاذاً في كلية الأركان قبل اندلاع الثورة كان درسه يجذب جميع الضباط إلى درجة أنه أحرج بقية الأساتذة الآخرين.
وما أن استلم السلطة حتى برهن على مهارة سياسية حقيقية. فقد أخذ يتلاعب بكبار شخصيات السياسة المصرية المخضرمين كسراج الدين زعيم الوفد، أو علي ماهر، أو حسن الهضيبي زعيم الإخوان المسلمين. ولم يكن عمره آنذاك يتجاوز الرابعة والثلاثين!
كان عبد الناصر عصامياً من الناحية الثقافية. في الواقع انه لم يكن يمتلك ثقافة حقيقية. كانت ثقافته مشكلة من تجميع بعض الأفكار من هنا وهناك. ولكن هل كان يمتلك الوقت الكافي للمطالعة أو لتوسيع ثقافته؟ كانت شؤون السلطة تأخذ من وقته خمس عشرة ساعة يومياً.
ولكن عندما كنا نسأله ونلح عليه السؤال حول ميوله الفكرية أو الفنية كان يقول بأنه يحب موسيقى بيتهوفن، وكتب توفيق الحكيم، والسينما الروسية. وقد سمح لنا بإلقاء نظرة على مكتبته فوجدنا فيها من جملة أشياء أخرى كتاب رأس المال لماركس، وكتاب «كفاحي» لهتلر، وكتب المؤرخ الإنجليزي أرنولد توينبي، وبعض الكتب العسكرية، والمؤلفات الكاملة لنهرو.
ثم يضيف جان لاكوتير أخيراً: عبد الناصر يقرأ بشكل خاص الجرائد -أكثر من ساعة في اليوم-، إنه يلتهم الصحافة الإنجليزية والأميركية التهاماً. وكان يقرأ أيضاً الصحافة اللبنانية والسورية.
اما المستشرق الفرنسي الكبير جاك بيرك فيقول ما يلي: نعم، لقد التقيته عدة مرات، وفي إحداها كان اللقاء مطولاً. وقد حصل بعد حرب خمسة يونيو. وكانت الجماهير قد أعادته إلى السلطة بعد أن خرجت إلى الشارع بالملايين. وهذه القدرة على أخذ زمام المبادرة نادرة في التاريخ.
وهنا تكمن عظمته. كان إنساناً قاسياً، صلباً، ملاحقاً باستمرار. وكان ذكاؤه حاداً وجشعاً إذا جاز التعبير. ولكن للأسف كانت ثقافته العامة محدودة، وينقصه الإحساس بالآخر أو فهمه، حتى لو كان هذا الآخر عربياً. وعدم الاهتمام بالآخر، أو عدم أخذ رأيه بعين الاعتبار يحول الآخر إلى تابع... وهذا شيء سلبي.
لم يكن عبدالناصر اشتراكياً على عكس ما يقال. لم ينشئ في بلاده مؤسسات آتية فعلا من القاعدة الشعبية. كان يعتمد على تصفيق الجماهير لا على استشارتها أو أخذ رأيها بعين الاعتبار. بهذا المعنى لا يمكن القول بأنه كان ديمقراطياً.
كان نزيهاً مع مصر وحتى مع العرب. كان يحبهم حباً شديداً ويحرص على مصلحتهم... ولكنه لم يكن يفهم العرب إلا من خلال مصر ومن أجل مصر. لقد بدا وكأنه انتقم لمصر والعرب من إهانات كثيرة متراكمة على مدار السنوات. ولهذا السبب فإنه سيبقى في تاريخ العرب، وفي تاريخنا أيضاً.
صحيح أنه كان قبله زعيم آخر يدعى سعد زغلول. وقد ارتفع بمصر منذ عام 1923 إلى مستوى النظام البرلماني. لا ريب في أنه كان برلماناً بورجوازياً يضم الأعيان والباشوات، ولكنه كان أفضل من اللاشيء. وفي وقته كان البرلمان الوحيد في العالم الثالث، وإذا كان حزب الوفد خسر قيادة مصر وأخذها عبدالناصر منه فعلى من تقع المسؤولية؟ على النظام الملكي والإنجليز: أي على الإمبريالية الغربية في نهاية المطاف. فلولا مساوئها وإهاناتها لمصر لما ظهر جمال عبدالناصر.
يضاف إلى ذلك أن عبدالناصر طرح مشاكل أكثر من سعد زغلول. والتقدم في التاريخ يعني طرح مشاكل جديدة، أكثر ضخامة وخطورة من السابقة. وأهمية جمال عبدالناصر تعود إلى أنه طرح مشاكل جديدة على مصر والعرب، والعالم أيضاً. لقد شعر العالم عن طريق ثوراته وخطاباته الجماهيرية الملتهبة بضرورة أخذ الدول الفقيرة بعين الاعتبار: أي دول العالم الثالث في الواقع.وهنا تكمن اهميته.
اما بول بالطا مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في السوربون سابقا فيرى ان جمال عبدالناصر يشكل بالنسبة للمصريين أكبر شخصية في تاريخهم منذ صلاح الدين الأيوبي ومحمد علي. ولكنه على خلافهما كان مصرياً حقيقياً، في حين أن الأول كان كردياً والثاني ألبانياً.
كاتب سوري - باريس