لقد قامت على مر التاريخ البشري حروب داخلية وخارجية بعضها مشروعة للدفاع عن الناس وأرضهم وممتلكاتهم، وأخرى عدوانية وغير مشروعة سواء كانت لأسباب اقتصادية أو سياسية أو أيديولوجية أو حتى مغامرات لأسباب وأطماع شخصية. والحروب أنواع منها العسكرية والفكرية، ومن خلالها يمكن التعرف على نوع غريب من تلك الحروب هي الحروب العبثية التي لا يجني أصحابها والمستهدفون بها غير الدمار.
إن الحرب نقيض للسلم، والحرب إقتتال بين طرفين أو أكثر، وللحروب أسباب عديدة مباشرة وغير مباشرة، وقد تنشب الحرب وتزهق فيها أرواح، ويدمر نتيجة لها العمران لأسباب تافهة. وفي بعض الأحيان تعتبر الحرب ظاهرة ايجابية، وفي أحايين كثيرة سلبية، ويلاحظ من تقييم نتائج الحروب خسارة المنتصر والمهزوم في تلك الحروب، كما يلاحظ عدم استفادة المتحاربين من تجارب التاريخ حيث تتكرر الأخطاء ويزداد الدمار بالخسائر البشرية والاقتصادية.
مما لاشك فيه تترتب على الحروب نتائج وتأثيرات سياسية واقتصادية واجتماعية خطيرة، وإن نسبة كبيرة من الحروب التي تقع هي حروب عبثية، وهذه الظاهرة قد شهدها العالم العربي ولا يزال. يشهد العالم العربي منذ العقود الأخيرة من القرن العشرين نوعاً من الحروب العبثية التي لا علاقة لها بالحروب من أجل الاستقلال أو الحرية بل هي حروب داخلية مدمرة نذكر هنا أمثلة عليها:
الحرب الأهلية اللبنانية 1975 ـــ 1987م، والحرب، العراقية الإيرانية 1980 ـــ 1988م، والاحتلال العراقي للكويت 1990م، وحرب جنوب السودان في الثمانينات والتسعينات، والحرب الأهلية الجزائرية في التسعينات من القرن العشرين، والحرب الأهلية القائمة اليوم في دارفور غرب السودان، والصومال والعراق، وحروب القاعدة داخل العالم العربي وخارجه. وسؤالنا هنا ما هي أهداف كل تلك الحروب، وما هي نتائجها؟ وبدون إلقاء اللوم على الآخرين أليست هي حروبنا أشعلناها بأيدينا واكتوينا ولا نزال بنارها؟
وبدراسة الأسباب وراء كل تلك الحروب الأهلية في العالم العربي نجد بأن الصراع السياسي من أجل السلطة، والصراع العرقي والطائفي يختبئ وراءها، وان معظم تلك الصراعات هي من أجل الوصول إلى السلطة والنفوذ والاستحواذ السياسي والمالي، وأيضا للثأر والانتقام نتيجة التعصب الذي يقود إلى التطرف والعنف. وقد دخل المرتزقة طرفاً في المعادلة في عدد من تلك الحروب حيث لم يتورعوا عن الإقدام على قتل الأبرياء، وتدمير المنشآت مقابل حفنة من الدولارات!
وعندما نتأمل مرة أخرى أسباب هذه الحروب فإما نحن متخلفون نعيش في غير عصرنا نشعل حروبا لتدمير أنفسنا والآخرين لأسباب لا تبرر كل تلك الدماء وذلك الدمار، أو نحن نعي ما نقوم به من حروب عبثية نتصور ان الانتصار فيها هو المدى التدميري الذي نلحقه بخصومنا مع التغطية على الكوارث التي أصابتنا من تلك الحروب! إنها حروب عدمية مبدؤها علي وعلى أعدائي.
ونظراً لخطورة ما يقوم به الإعلام المعاصر فإن دوراً تحريضيا يتولاه بالشحن الدائم لبطارية الصراع. ان وسائل الإعلام المعاصرة تنقل لنا بالصوت والصورة والكلمة المكتوبة كل ما يحدث وبالتفاصيل لكننا نقف حائرين أمام هذا الجنون في قتل الإنسان للإنسان وتعذيبه حائرين أمام هذه السادية في ذبح الإنسان من الوريد إلى الوريد حيث جعلت العالم المتحضر ينظر إلينا على أننا وحوشاً كاسرة، ومتخلفون حتى النخاع.
فأي إنسان هذا الذي يقوم بذبح إنسان برئ بالسكين أو السيف مقابل مئة دولار! وأي إنسان هذا الذي يقوم بقطع رأس إنسان برىء ويفخخه ليقتل من يقترب منه لنقله ودفنه؟ أي إنسان هذا الذي يذبح الأطفال ويغتصب النساء بعد خطفهن ثم يقوم بقتلهم ويصيح بأعلى صوته الله أكبر عند تنفيذ الذبح!!
حتى القتل عندنا ليس إنسانيا. إن الكارثة التي تتهدد ديننا أن جزءا من الحروب العبثية ترتكب باسم الدين والدين منها براء، ويدعون بأنهم أصحاب قضية دينية يحاربون من أجلها، وان ما يقومون به جهاد في سبيل الله. ماذا يجري هل فقدنا توازننا وعقلنا. إن العالم يتفرج على حروبنا الأهلية المدمرة ولا يكترث لأننا أنفسنا غير مكترثين بأنفسنا وشعوبنا وأوطاننا وثقافتنا وحضارتنا فكيف نطلب من العالم أن يتدخل لإنقاذنا من أنفسنا؟!
قصص نراها ونقرؤها ونسمعها لا يصدقها العقل عن القتل والتمثيل بالضحية وتعذيبها، أليس في هذه المجتمعات التي تخوض هكذا حروب عقلاء يسارعون إلى وقف نزيف الدم والذبح والقتل على الهوية للأبرياء؟ كيف يكون ما يفعله أولئك قتالا مشروعا أو جهادا عندما تقتحم شاحنة مفخخة مطعما أو سوقا لتقتل النساء والأطفال والشيوخ؟
كيف نسمي ذلك جهادا عندما يفجر أحدهم نفسه بحزام ناسف لباص يحمل عمالا عائدين من عملهم إلى منازلهم؟ أو يقتحم مدرسة للأطفال ويفجر سيارة مفخخة داخلها ليقتل المئات منهم؟ إننا ندعو مفكرينا وعقلاءنا وعلماء النفس في ديارنا إلى التفكير في هذه المأساة التي يعيشها العرب.
إن العالم يعيش في القرن الحادي والعشرين وأولئك القتلة يعيشون في القرن العاشر الميلادي لا بل يعيشون قبل التاريخ.
ان الحيوانات تقتل بني جنسها عندما تجوع، وإنساننا لا يكتفي بذلك بل يتفرج على الحيوان المفترس ليقتل حتى عندما يشبع! ان المشكلة ليست في أن العالم يتفرج على حروبنا العبثية بل كذلك شعوبنا تعيش المأساة وتتفرج عليها، وربما ليس في يدها ما تفعله لوقف ذلك العسف والإرهاب الدموي بأبشع صورة.
ان المسألة تحتاج علاجا سريعا فلم يعد الإنسان السوي العاقل يحتمل ما يرى ويسمع عن سادية مفرطة في تدمير الحاضر، وقتل وذبح تقشعر له الأبدان. ويتحمل المثقفون العرب مسؤولية مضاعفة في هذه المرحلة في دراسة هذه الظاهرة ومعرفة أسبابها وإيجاد الحلول لها وتنوير الناس بمخاطرها، ولا مجال للهروب منها بل مواجهتها فقد بلغ السيل الزبى.