لماذا قانون للإعلام؟ ولماذا وضع إجراءات تشريعية وقانونية وتنظيمية للممارسة الإعلامية وللنشر والمطبوعات؟ ولماذا تجديد قوانين الإعلام من فترة إلى أخرى؟ في البداية يجب الإشارة إلى أن كل مهنة لها دستورها وقوانينها وشروط ممارستها.

أما مهنة الإعلام فهي مهنة تحتاج أكثر من غيرها إلى قوانين ودساتير ومواثيق أخلاقية حتى تُمارس بطريقة حرة ومسؤولة؛ وإلا ستصبح مهنة الصحافة مهنة الفوضى ومهنة من له السلطة المالية والنفوذ السياسي ليتلاعب بها كما ينبغي. الخطورة هنا تكمن في أن الصحافة هي المؤسسة التي تشكل الرأي العام وتنيره وتوجهه في الاتجاه السليم من خلال تزويده بالأخبار والمعلومات والحقائق.

فالمؤسسة الإعلامية هي الجهاز الذي يراقب ويستقصي وينتقد ويكشف الحقائق والسلبيات بهدف تحقيق الصالح العام. فالمؤسسة الإعلامية هي منبر الديمقراطية والكلمة الحرة والصادقة. فقانون الإعلام هو مجموعة المواد التي تضمن للصحافة حرية الرأي والتعبير والفكر والنقد وتحقيق في أرض الواقع مبدأ الحق في الاتصال ونشر الأخبار والحصول عليها وعلى المعلومات كحق مقدس من حقوق الرأي العام في المجتمع.

فمن حق الفرد في المجتمع الحصول على الأخبار والمعلومات والحق في المعرفة وهذا الحق نص عليه الإعلام العالمي لحقوق الإنسان منذ ستين سنة. فالقانون يجب أن يتعامل مع المؤسسة الإعلامية كضمير الأمة ومصدر قوي يعتمده عليه الشعب من أجل رقابة السلطات الثلاث ومؤسسات المجتمع سواء كانت عامة أم خاصة.

القانون كذلك يجب أن يكفل الحماية والحصانة للمؤسسة الإعلامية وللصحافي من أجل القيام بالاستقصاء والنقد البناء الصادق والهادف الذي يرتكز على الحقيقة والحجج والبراهين بعيدا عن التشهير والتجريح والإهانة وتصفية الحسابات. الكلام عن تقنين الإعلام يقودنا لطرح سؤال جوهري يتمثل لماذا تقنين الإعلام؟

ما هو الهدف هل هو تكميم الإعلام ومحاصرة الصحافيين بقوانين جائرة وتعسفية وقاسية كالسجن والغرامات المالية وعدم الحصانة والحماية خاصة في غياب الفصل بين السلطات. أم أن الهدف من التقنين هو تنظيم المهنة وحمايتها من المتطفلين والانتهازيين ومن الذين يستعملون المهنة ومساحة الحرية للتلاعب بالحقائق والرأي العام من أجل تحقيق مصالح ضيقة. وهنا يجب أن يكون القانون فوق الجميع من أجل الكلمة الصادقة ومن أجل الحقيقة ومن أجل المصلحة العامة.

والمبدأ الأساسي هنا هو أن المؤسسة الإعلامية هي مؤسسة اجتماعية سواء كانت حكومية، عامة، خاصة، تجارية، ربحية...الخ. المؤسسة الإعلامية في آخر المطاف هي ملك للرأي العام الذي يحترمها ويثق فيها ويرتبط بها إذا كانت صادقة ووفية له تناقش همومه ومشكلاته وقضاياه.

الكلام عن تقنين الإعلام هو الكلام عن تنظيم العلاقة بين مصادر الأخبار والصحافي والمؤسسة الإعلامية فالأمر هنا يتمثل في التزام الطرفين باحترام الرأي العام وتقديم الحقيقة للجمهور بدون مساومة ولا استغلال ولا ابتزاز بدون تفضيل مؤسسة إعلامية على أخرى وبدون التركيز على الإيجابيات وإخفاء السلبيات.

فالخبر مقدس وهو ملك للشعب والجمهور وليس لوكالات العلاقات العامة ووكالات الإعلان التي تستغل الخبر وتوّظفه في عملية البهرجة الإعلامية والتمظهر الإعلامي وهنا تحدث ظاهرة التلاعب بالمعلومة والخبر ليس لخدمة الرأي العام وإنما لخدمة مصالح ضيقة.

التقنين يخص كذلك تحديد العلاقة بين المعلن والمؤسسة الإعلامية حيث إنه لا يجوز في أي حال من الأحوال مزج المادة التحريرية بالمادة الإعلانية وإذا حدث هذا فإنه يعني اختراق مبدأ مهم جدا من مبادئ حرية الصحافة ونزاهتها وموضوعيتها.

الأمر الذي يؤدي إلى فقدان علاقة الود والاحترام بينها وبين الجمهور. التقنين يعني كذلك الشفافية والوضوح في مواد القانون نفسه حيث ان الصحافي بحاجة إلى قانون يحميه من سلطة المال والسياسة، الصحافي بحاجة إلى راتب محترم يحميه من اللجوء إلى طرق ووسائل غير أخلاقية قد تهدد نزاهته وموضوعيته وتأدية رسالته الشريفة في المجتمع على أحسن وجه.

من جهة أخرى نلاحظ أن الفضاء الإعلامي العربي شهد تطورات كبيرة جدا خلال العقود الثلاثة الماضية بانتشار الانترنت والقنوات الفضائية. فهاتان الوسيلتان بحاجة إلى قوانين لتنظيمهما وتأسيسهما وفق مقومات موضوعية وأخلاقية تتماشى مع قيم المجتمع ومبادئه.

فإذا أخذنا الفضائيات كمثال نلاحظ الفوضى الكبيرة التي توجد في الفضاء الإعلامي العربي حيث انتشرت الفضائيات الهابطة وفضائيات الشعوذة والدجل وقراءة الكف وغيرها من التلوث الإعلامي والثقافي. كما اشتهرت بعض الفضائيات في القذف والتشهير والتشويه وأخرى بالتجارة على الهواء عن طريق الرسائل القصيرة وغيرها من الطرق والوسائل التي تفتقر إلى الأخلاق والقيم.

أما بالنسبة للانترنت فالأمر يحتاج إلى قانون «السايبر» حيث ان عالم الشبكة العنكبوتية بحاجة إلى قوانين وليس إلى قانون واحد نظرا لأهمية الانترنت وخطورته وسرعة انتشاره في جميع أنحاء المعمورة. وظهور المدن الإعلامية في بعض الدول العربية يحتاج كذلك إلى تنظيم وتقنين حتى لا تتحول هذه المدن إلى مناطق لتجار لا علاقة لهم بالإعلام والصناعات الثقافية والإعلامية وحتى لا تتحول إلى أماكن همها الوحيد هو الكسب على حساب مبادئ المهنة وأخلاقياتها.

في الأخير يجب الإشارة إلى أن القانون ما هو إلى مجموعة مواد على الورق، والقانون لوحده لا يستطيع أن يصنع منظومة إعلامية قوية وفعالة. فالإعلام القوي بحاجة إلى قانون وبحاجة إلى مواثيق أخلاقية وبحاجة إلى مهنيين ومحترفين سواء كانوا إداريين في المؤسسة الإعلامية أوصحافيين. القانون كذلك بحاجة إلى مجتمع مدني قوي وفعال يسهر على تفعيل دور المؤسسة الإعلامية في المجتمع للقيام برسالتها على أحسن وجه.

الإعلام الفعال والقوي بحاجة إلى اتحادات ونقابات وجمعيات صحافية قوية تصون المهنة وتحميها من المتطفلين والانتهازيين سواء من داخل المهنة نفسها أو من خارجها أي في عالم المال والأعمال والسياسة. الإعلام العربي بحاجة إلى قوانين إعلام حديثة وعصرية ومجددة ومطورة تكون في مستوى طموحات الشعوب العربية .

وفي مستوى التحديات الكبيرة التي يواجهها الإعلام العربي سواء على المستوى الداخلي، والتي تتمثل في الديمقراطية والتنمية المستدامة؛ أو على المستوى الخارجي والتي تتمثل في العولمة ومحاورة الآخر وحوار الحضارات والديانات وتقديم الصورة الحقيقية والواقعية للإسلام والمسلمين والعرب في جميع أنحاء المعمورة.

كلية الاتصال - جامعة الشارقة