ينعقد مؤتمر «الثماني» في روستوك بألمانيا هذه السنة في ظل تصعيد خطير في العلاقات الأميركية الروسية وصلت إلى حدود خطيرة مع تهديد روسيا بإعادة توجيه صواريخها الى أوروبا في حال نشرت الولايات المتحدة درعها المضادة للصواريخ في كل من تشيكيا وبولندا.

هاتان الدولتان اللتان كانتا لفترة مضت تدور في فلك الاتحاد السوفييتي، وقد أعاد هذا المشهد الى الأذهان أجواء الحرب الباردة، خصوصا وأن العناوين الأيديولوجية لتلك المرحلة جرى إعادة استخدامها من قبل الطرفين، من قبل الروسي باتهام أميركا بـ «الامبريالية» والأميركي باتهام بوتين بمعاداة «الديمقراطية».

ويذكر أنه منذ فترة وروسيا تحتج على السياسة الخارجية للولايات المتحدة، لكن لهجة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تصاعدت مؤخرا بشكل ملفت للنظر مقابل الاعتذار الذي بدأ خطابه الشهير خلال المؤتمر الأمني في ميونيخ فبراير الماضي.

فروسيا على ما يبدو قد ضاقت ذرعًا بسلسلة الأكاذيب والاستغباء التي تمضي فيها الولايات المتحدة في العالم والتي لم تستثن مواطنيها، وتجد صعوبة في تصديق الحجة الأميركية بأن أسلحة الدفاع الأميركية إنما تستهدف دولا مثل إيران وكوريا الشمالية، اللتين تبعدان آلاف الكيلومترات عن حدود أوروبا الشرقية وليس لديهما صواريخ عابرة للقارات، في حين تستثني روسيا من ترسانة الدفاع هذه.

ومن جهة أخرى، لم تنس روسيا ما أدت إليه السياسة الأميركية ضد الإرهاب في أفغانستان بعد أحداث سبتمبر2001، والتي تعاونت معها روسيا، حيث تبين في ما بعد أن جل الاهتمام الأميركي حينها كان السماح بنشر قواعد عسكرية أميركية في دول وسط آسيا ذا أهمية استراتيجية لمحاذاتها للأراضي الروسية والصينية.

أما الحرب على القاعدة فشكلت جانبا محدودا من اهتماماتها، وهذا الأمر أشارت إليه تقارير أميركية إلى جانب شهادات جنود أميركيين شاركوا في الحرب في أفغانستان، كذلك لمح إليه بوتين حين طلب في تصريحه «النظر إلى الخريطة حول روسيا وبشكل عرضي حول الصين حيث تجري تبدلات عسكرية في كل من اليابان وكوريا الجنوبية في إطار الحديث عن المخاطر النووية «للدول المارقة».

يضاف إلى ذلك، أن روسيا تجد نفسها مخدوعة اليوم إزاء التطور الخطير في الاستراتيجية العسكرية الأميركية لا سيما سياستها الرافضة لأي قيود أمام استخدام الفضاء، بعد أن كانت قد اتفقت يوما معها على تقليص ترسانتها النووية والاستراتيجية ووقعت العديد من الاتفاقيات بهذا الشأن.

والحال أنه منذ أن تم توسيع الاتحاد الأوروبي ليضم دولا أوروبية شرقية كانت في فلك الاتحاد السوفييتي، والأوضاع تزداد سوءا مع روسيا خصوصا مع توجه هذه الدول المنضمة حديثا في التأثير على دول أوروبا القديمة وتوجهاتها، كما أن انضمام هذه الدول الى حلف الناتو بعد أن كانت في حلف وارسو زاد من هيمنة الولايات المتحدة على شركائها الأوروبيين حيث توجد فرنسا وألمانيا.

وتسعى روسيا للوقوف في وجه عالم القطب الواحد الأميركي الذي تراه يهدد الأمن العالمي ويحتقر بشكل متزايد مبادئ القانون الدولي ويدخل العالم في سباق تسلح. وهذه الأفكار لا تلقى آذانا صاغية لدى أوروبا التي تتجاهل مخاوف روسيا وترى أنها ما زالت تعيش أجواء الدولة العظمى.

وعلى الرغم من الاختلاف الكبير بين المواقف الأوروبية والروسية نحو العديد من القضايا بدءا من سياسة الطاقة وكيفية إدارة الاقتصاد الروسي، واستقلال كوسوفو التي ترى فيها روسيا سابقة تاريخية تسمح بفصل إقليم عن دولته وتداعيات هذا الأمر على روسيا وأوروبا، بالإضافة الى احتكاكات روسيا مع جيرانها التي تؤكد أن وراء معظمها تدخلا أميركيا في شؤونها، فيما يرى فيها رئيس المفوضية الأوروبية تعاملا روسيا فوقيا مع بعض الدول الأوروبية.

إلا أن كل ذلك لم يمنع التعاون الروسي الأوروبي أن يقطع شوطا خصوصا في ظل الاعتمادية المشتركة بينهما، مع الاعتراف لروسيا ببعدها الأوروبي وإعطائها كلمة في الشؤون الأوروبية. فهل ستتقدم «أوروبا القديمة» إلى اتخاذ موقف يمتص مفاعيل الأزمة الحالية، خصوصا وأن لأوروبا سياسة دفاع وأمن مشتركة بعد اتفاقية أمستردام؟

لقد كان انضمام روسيا إلى مجموعة الثماني في فترة يلتسين «مكافأة» من كلينتون للرئيس الروسي السابق على اتباعه إصلاحات اقتصاد السوق التي قام بها ولوقوفه حياديا أمام توسيع حلف الناتو نحو الشرق على تخوم روسيا، لكن الواضح اليوم أن روسيا لا تريد الاستمرار في تلك السياسة، بل ترى انه لا بد من وقفها، بينما تلوح بعلاقاتها المتنامية مع كل من الصين والهند وإمكانية عقد اتفاقات معهما في مجال الطاقة، بدلا من الاعتماد على أوروبا في هذا المجال.