عندما يبدي رئيس الولايات المتحدة أسفه على «تراجع الديمقراطية» في روسيا فإنه في الحقيقة ينعى ضمنياً عهد الرئيس الروسي السابق بوريس يلتسين. فقد كان يلتسين حاكماً شكلياً لا عمل له سوى التوقيع من حين لآخر على ما يقدم إليه من تشريعات تسمح بتوسيع سيطرة رأس المال اليهودي على قطاعات الاقتصاد الوطني الروسي.

خلال الأسبوعين الأخيرين أعرب الرئيس الأميركي عن مزيد من القلق تجاه ما اعتبره بوادر خطيرة تعكس عودة روسية قوية إلى ساحة الصراع الدولي بقيادة الرئيس فلاديمير بوتين بما يعيد إلى الأذهان عهد الاتحاد السوفييتي. بوتين هو الشخصية النقيضة تماماً لشخصية يلتسين، فبينما كان يلتسين يرمز لاندحار ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي فإن بوتين يرمز إلى تيار قومي متصاعد لرد اعتبار الدولة الروسية مستوحياً النموذج السوفييتي.

بالتالي فإن ما يقلق الولايات المتحدة هو أن بوتين يتبنى سياسة تستهدف إلغاء «إنجازات» سلفه ولعل أبلغ مثال في هذا الصدد هو ما جرى على صعيد قطاع الطاقة الذي يعتبر قطاعاً قيادياً في حركة الاقتصاد الروسي. شركة يوكوس للنفط والغاز كانت حتى عهد يلتسين المؤسسة الرئيسية في قطاع الطاقة، ووفقاً لبرمجة يهودية غربية لتفكيك مؤسسات القطاع العام الروسية تمهيداً لتمليكها لرأسماليين يهود.

فإن حكومة يلتسين أمرت بعرض بيع يوكوس في مزاد علني، وكانت عملية مرتبة مسبقاً وجاهزة سلفاً فقد رسا المزاد الزائف على يهودي يدعى ميخائيل خودوروكوفسكي وقبيل بيع يوكوس بيعت بنوك حكومية اشترى احدها خودوروكوفسكي نفسه وهو البنك الذي عهد إليه بترتيب مزاد يوكوس، وهكذا ومن خلال عمليات مماثلة في النصب والزيف العمد انتقلت المؤسسات المفتاحية الاستراتيجية للاقتصاد الروسي في سيطرة الدول إلى ملكية خاصة لأصحاب رؤوس أموال ليس من قبيل الصدفة أن معظهم يهود.

وتولى بوتين السلطة من بعد يلتسين وهو مسلح بأجندة استراتيجية جاهزة ترتكز على إعادة الاعتبار لسيطرة الدولة على الاقتصاد وكان في مقدمة انجازاته مصادرة شركة يوكوس وخلال وقت قياسي استطاع بوتين إعادة استيلاء الدولة على قطاع الطاقة برمته بالإضافة إلى إعادة تأميم مؤسسات أخرى مفتاحية.

هكذا تصاعدت واتسعت شعبية بوتين خاصة عندما انعكست سيطرة الدولة الاقتصادية ايجابياً على المستويات المعيشية للأسر الروسية العادية بعد أن تفشى البؤس والشظف المعيشي في عهد يلتسين حتى المؤسسات الغربية تقر الآن بأن الازدهار الاقتصادي الذي تشهده روسيا حالياً نادر النظير في التاريخ الروسي.

هذه هي الأرض الصلبة التي يقف عليها بوتين الآن وهو يقول روسيا الجديدة إلى ساحة الصراع الدولي على اساس التكافؤ مع الولايات المتحدة وهذا هو ما يقلق بوش. أما «أسف» الرئيس الأميركي على «التراجع الديمقراطي» في روسيا فإنه لا يصلح إلا كدعاية ديماغوغية فارغة المضمون.