افتتحت أمس قمة الدول الصناعية الثماني الكبرى، في ألمانيا وينعقد هذا اللقاء في ظل مناخات تستحضر زمن الدولتين العظميين وأجواء التوتر بينهما.فالتوتر بين واشنطن وموسكو، غير مسبوق؛ منذ الانهيار السوفييتي. تجلى ذلك في التراشق المتبادل بين العاصمتين، عشية القمة، بلغة لا تعكس مدى عمق الشكوك المتبادلة فحسب، بل هي أيضا تؤشر إلى نهاية ما كان أشبه بشهر العسل الذي ساد علاقاتهما؛ بعد سقوط جدار برلين بل ربما هي تؤشر إلى بداية قيام جدار جديد بينهما؛ ولو لم يكن بالضرورة بسماكة وعلو ذلك الذي قسم العاصمة الألمانية لعقود وكان عنوان الحرب الباردة.
الرئيس بوش في خطاب له أمام حشد ضم عددا من قدامى المتمردين على النظام الروسي ومن بينهم شارانسكي، الوزير الإسرائيلي السابق وجه نقدا لاذعا لنظام بوتين اخذ عليه تراجعه عن وعوده بإجراء إصلاحات سياسية. اتهمه بصورة ملتوية بعدم احترام حقوق شعبه وبالتالي فهو غير قادر على احترام حقوق جيرانه. أيضا كان للمكان رمزيته إذ انه ألقى خطابه في ذات القاعة التي شهدت إعلان فرط وتفكيك حلف وارسو عام 1991.
الرئيس بوتين تحدث هو الآخر. بلغة مماثلة وأكثر خلال لقائه مع مجموعة من المراسلين، أجرى ولو مداورة، مقارنة بين الولايات المتحدة وبين الرايخ الثالث النازي. استعاد مفردات أيام زمان مثل «الامبريالية» في تقديمه للسياسة الأميركية الراهنة.
الغمز من الطرفين، أشعلت شرارته الشبكة الصاروخية المضادة التي تنوي إدارة الرئيس بوش نشرها في أوروبا، قريبا من الحدود الروسية. بوتين رأى فيها تهديداً لروسيا. بوش يقول إنها دفاعية تماما. لكن هذا الموضوع لم يكن أكثر من القشة التي قصمت ظهر البعير. من زمان والاحتقان يتراكم.
البداية كانت في توسيع الناتو، حتى بعد انفراط الاتحاد السوفييتي. التوسع وصل إلى تخوم روسيا. ثم أخذ الارتياب يتزايد مع الانفراد الأميركي بملفات دولية؛ على رأسها الملف العراقي والهيمنة على مجلس الأمن، فضلا عن مواصلة إدارة الرئيس بوش في إلقاء الدروس على موسكو في الديمقراطية وحقوق الإنسان. الأمر الذي جعل بوتين يرد بطريقة تفيد أن الكيل قد طفح معه فذهب إلى حد التهديد بإعادة تصويب الصواريخ الروسية، مجدداً، إلى دول أوروبية. وكأنه بذلك أراد التذكير بأن بلاده لا تزال تملك ترسانة عسكرية إستراتيجية لا يمكن تجاهلها. بل لابد من أخذها بالاعتبار.
قد يكون الرئيس بوش في هجمته الصاروخية الأوروبية أراد استعادة شيء من السطوة والهيبة اللتين تلطختا في أوحال العراق. كما قد يكون الرئيس الروسي رأى نفسه مضطراً لوضع النقاط على بعض الحروف؛ قبل أن يغادر الكرملين بعد حوالي 9 أشهر.
لكن كيفما كان الأمر، ثمة شيء ما في خطابيهما قد ترك الانطباع بأن الحرب الباردة عائدة.العالم حسب أن هذه المرحلة انتهت. كما حسب أن مغامرة بوش العراقية كانت درساً للتخفيف من عادة عرض العضلات والتخلي عن اللغة «الحربجية». القمة أمامها جدول أعمال غير اعتيادي. في مقدمته مسائل الفقر والاحتباس الحراري. فهذه أحرى بالاهتمام من أوهام الهيمنة والتفوق.
