فجأة ودون سابق انذار، وبعد اربعين سنة من الاحتلال والهدوء في الجولان، باستثناء حرب اكتوبر بالطبع، بدأت المصادر الاسرائيلية تتحدث وكأن سوريا على وشك شن حرب ضد اسرائيل او في احسن الاحوال، البدء بعمليات محدودة في الجولان قد تمهد الى مواجهة او توتر شديد واشتباكات مسلحة.
ولا نعتقد ان احدا في العالم، أو حتى في اسرائيل نفسها يصدق مثل هذا الكلام او يقتنع به، ان الرئيس بشار الاسد يحتفل هذه الايام وعلى طول البلاد وعرضها، باعادة انتخابه رئيسا لمدة سبع سنوات في استفتاء حاز بموجبه على اكثر من 95% من الاصوات، ويريدنا الاسرائيليون ان نقتنع انه مشغول بالاعداد لحرب ضد اسرائيل.
ان سوريا تقف اليوم شبه منفردة حتى على الساحة السياسية، وخياراتها العسكرية تنحصر في الدفاع على احسن الاحوال، وهي تدرك ان اسرائيل تقيم علاقات كاملة مع مصر والاردن، وان الوضع المتفجر في لبنان والقوات الدولية في الجنوب بعد حرب الصيف الماضي.
وهذا يجعل دمشق وحيدة للغاية في الميدان العسكري وهي تواجه وحدها اقوى قوة في الشرق الأوسط هي اسرائيل، فهل يريدنا الاسرائيليون ان نقتنع بان سوريا تعد للحرب او لاشعال جبهة الجولان وسط هذه الظروف.
الاجوبة واضحة وبسيطة، وهي ان الخيار العسكري لم يعد مطروحا لا في سوريا ولا غيرها من الدول العربية، وان الخيارات العسكرية تكاد تنحصر في اسرائيل وحدها، اذا استثنينا بعض القوى والفصائل التي ما تزال ترفع شعارات القتال والمقاومة.
واذا كان هذا هو واقع العالم العربي، فلماذا إذن هذا التصعيد الاسرائيلي المفاجئ وهذا التسخين غير المبرر عسكريا ضد سوريا؟.
وليس من الصعب على اي مراقب معرفة ان هذه اللهجة العسكرية والتحذيرات القتالية والتدميرية، تستهدف أولا وأخيرا، الوصول الى نتائج سياسية، ويرتبط الامر بعدة قضايا اقليمية ساخنة منها لبنان والعراق وايران وفلسطين، وتريد واشنطن واسرائيل ان تدفع سوريا ثمنا يرضيهما ويحقق اهدافهما في هذه المواقع جميعها.
وإذا كان الدور السوري المطلوب في كل من العراق وفلسطين واضحا وهو المساعدة لوقف الاعمال العسكرية، وفي لبنان التعاون في قضية المحكمة الدولية في موضوع اغتيال الحريري ووقف تدخلها في بلاد الارز، فان الموقف مع ايران يبدو اكثر تعقيدا.
تسعى واشنطن إلى فك التحالف السوري الايراني، وبعد اللقاء الاميركي - الايراني التاريخي في بغداد، تبدو اللهجة الاميركية وقد خفت باتجاه ايران، وهي اليوم تتصاعد ضد سوريا عن طريق اسرائيل.
لا بد من التأكيد أخيرا، انه ليس من المستبعد، وفي حال الضرورة، ان تقوم اسرائيل بضرب اهداف في سوريا، لتحقيق الاهداف السابقة، وبالطبع يجيء ذلك في سياق »الدفاع المشروع« عن النفس الذي تمهد له التهديدات والتحذيرات الاسرائيلية الحالية.
