155 صحافيا قتلوا في عام 2006 على ذمة الاتحاد الدولي للصحافيين، وهذا العدد يزيد بمقدار خمسة صحافيين قتلوا في 2005. لماذا تحولت الصحافة إلى مهنة يحدق بها الموت؟ لأن الصحافي أرض محايدة لا مكان فيها إلا للحقيقة بلا رتوش أو تقليم، ولهذا سيبقى دائما أرضا معرضة للاستباحة ممن يريدون أن تختلط ألوان الفاعل بألوان المفعول به، وممن يريدون أن يسدل الستار على مسرحياتهم لتظل نصوصها وممثلوها الحقيقيون مجهولين ولو لبضع عشرات من السنين.

في هذا الحوار الدموي بين الكلمة والرصاصة، تصبح حياة الصحافي ترمومترا يقيس مستوى لا إنسانية البشر، وتلمع الحقيقة وتخبو على قدر المساحة الزمانية والمكانية التي تجد فيها الحقيقة بحذافيرها أو الكلمة الصادقة أو الرأي الحر فرصة كافية لاستعادة الأنفاس قبل أن تكمم الأفواه، أو تبتر الأصابع، أو تغيّب الشخوص خلف المسافات والأسوار.

لنتوقف قليلا إذن أمام العلامات التالية:

العلامة الأولى: كأي شيء آخر، فإن الرأي له حق الحرية، ولكن هذا الحق لا ينبع من مجرد كون الرأي رأيا، بل من درجة التزامه بقواعد الحرية وأصولها التي تخضع لمرجعيتها كل الحريات الأخرى. وهنا يأتي دور المجتمع ووسائل الإعلام لا للارتياب من أي رأي لأنه رأي آخر وكفى، والمبادرة فورا إلى إلصاق التهم به، ثم الإلقاء به في نهاية المطاف في محرقة الحجر الفكري، بل يبدأ دورهما في التحقق من مدى احترام هذا الرأي لقواعد الحرية، ثم الذهاب إلى أبعد من ذلك بمحاولة الوقوف في نفس الزاوية التي ينظر الكاتب منها، لترى ماذا يضيف لحياة البشر من الحق وقيم الخير والجمال.

العلامة الثانية: رغم أن الرأي غالبا ما يختزل نفسه في معلومة تتقولب في فكر أو خبر أو نقد لأحدهما، إلا أنه دائما وأبدا يختزن شحنة هائلة من التأثير الذي يثير كل هذا الهلع والعدوانية من الطرف الآخر، وربما كان هذا هو سر استنفار كل هذه الأجهزة والطاقات والقدرات المتيقظة له بالليل والنهار ولا عمل لها إلا التربص به، وبهذا فإن إدارة الصحيفة أو دار النشر، جميعهم يخضعون أي رأي لعملية توزين على كفة المألوف وغير المألوف، أو درجة الانفعال المتوقعة في ردود الأفعال قبل أن تصدر للرأي إما شهادة ميلاد أو شهادة وفاة؟

أما بخلاف ذلك فالملاحظ أن ما تنشره بعض الصحف ووسائل الإعلام من المعلومات الغثائية المدمرة، يفوق بمئات المرات ما تصادره من الرأي البنّاء، والذي تعطي نفسها حق اتهامه بأنه غير صالح للنشر. ولكن السؤال يبقى، ما المعيار الذي تحتكم إليه السلطة لترخيص حانوت لبيع الأدوية؟ هل هو طعم الأدوية؟ أم مفعولها في مقاومة المرض؟.

العلامة الثالثة: لا تزال جدلية القمع والحرية تعكس طبيعة الصراع وحدته بين الحق والباطل، فعندما يتفوق الحق تشيع لغة الحوار والجدل والنقاش، لأن الرأي الحر في نظر الحق تركيز لبؤرة الضوء على أماكن القصور والخلل والاعوجاج. أما عندما يعلو الباطل فلا يبقى في ساحة الصراع إلا السوط والأغلال، لأن حرية الرأي في نظر الباطل تشبه حاسة الشم عند النمر الذي يستخدمها للاستلال على فرائسه، فلا سبيل إذن من إيقافه عند حده إلا بإطلاق الرصاص عليه حتى قبل أن تبدأ المواجهة.

العلامة الرابعة: يبدو أن هناك عناصر متقلبة أو متلونة تبعا للمزاج العام للإدارة وبالتالي الرقيب الذي يمثلها، أو ربما الوسيلة الإعلامية ذاتها هي التي تستفز أعصابها لتمنع عملا أدبيا أو فنيا من النشر، رغم أنه لا يندرج تحت أي من الحالات التي حددها التشريع المنظم لحرية الرأي والتعبير، قد تكون درجة حرارة الموضوع تتجاوز الحد بالقدر الذي يكفي لإشعال حريق، أو العلو الذي ينظر منه الكاتب إلى الأشياء وقدرة كلماته على تحريك قيعان البحيرات الراكدة تفوق الحدود المسموح بها، أو ربما كانت اللغة التي تتحدث بها وسيلة النشر لا تتناسب مع مستوى الوعي عند من تخاطبهم، فيصبح ما هو محظور للناطقين بالعربية مثلا، مباحا للناطقين بالسنسكريتية.

العلامة الخامسة: في الوقت الذي تنظر فيه الأقلية الضئيلة من الكتّاب والأدباء والمثقفين إلى حرية الرأي والتعبير على أنها لازمة من لوازم الحياة اليومية للمجتمع المتحضر؟ فإن شرائح عريضة في المجتمع تعتبرها ترفا أدبيا وآفة مستوردة من المجتمعات المتقدمة، وأن مجتمعات ناشئة كمجتمعاتنا لم تصل ـ أو ربما ليس لديها الرغبة في الوصول ـ إلى الوعي الكافي لكي تجيد التعامل معها كثقافة، ناهيك عن أن تستوعب مفاهيمها ومبادئها وتحسن استخدامها. وبناء على ذلك، فإن حرية الرأي والتعبير لا تختلف عن السيارة كسلعة في شيء، فمع أننا نتسابق لاقتناء أحدث ما أنتجته مصانع السيارات، إلا أننا نشمئز من حياة المجتمع الصناعي ومبادئه، وبهذا نكون قد نجحنا في اقتناء القشور، وإلقاء اللب في القمامة.

العلامة السادسة: كثيرا ما توقفت عند مسألة تحريم الغيبة والحكمة منها، فوجدتها كنزا من المبادئ التنظيمية لحرية الرأي. فأولا، هي رأي أو رأي آخر، وبذلك فإنه يخضع إلى قواعد أخلاقية ومهنية تنظم ممارساته، لكيلا يمنح هذا الرأي نفسه الحق في تسلق أسوار الآخرين. وثانيا، على صاحب الرأي أن يكون شجاعا وهو يتقدم إلى خط المواجهة، لا أن يكون جبانا يهمس في الخفاء، وإلا فإن سكوته يصبح أكثر إيجابية من همسه المتخم بالسلبية. وثالثا، عليه أن يتمتع بالمنهجية والموضوعية، وأن يسوق الأدلة التي تدعم رأيه، وإلا كان كلامه كذبا وهدما، والكذب والهدم ليسا حرية للرأي.

ورابعا، عليه أن يستخدم أسلوبا حواريا حضاريا وأخلاقيا في الطرح، وهنا يتحتم عليه قبل أن يبدي رأيه أن يختار بين أن يكون زجاجة عطر، أو صفيحة قمامة. وخامسا، أن يمتلك حلولا بديلة للإشكالية التي يتناولها وأن يكون الجانب البنائي واضحا فيها، لأنه أساسا كان يقصد إصلاح الخلل، لأن الذي يكسر العظم يجب أن يكون طبيبا حتى يحسن تجبيره، وإلا قتل مريضه. وسادسا، أن يكون الإصغاء للرأي الآخر توجها تربويا للمجتمع، بحيث يشعر صاحب الرأي بالمسؤولية، ويشعر الطرف الآخر بالحاجة إلى ذلك الرأي لاستخدامه في إغلاق منافذ الفساد.

العلامة قبل الأخيرة: عندما تتجذر قناعة المجتمع بانتهاج حرية الرأي والتعبير كأداة أو كآلية بنائية في مسيرته الحضارية، وأيضا لتفعيل هذه الحرية حتى لا تبقى إكسسوارا حضاريا يرمقه الناس بنظرات الإعجاب ولا فائدة حقيقية تجنى من ورائه، فإن هذه الأداة يجب أن ترسم لها الخطوط التي تنطلق منها الحريات وأين تنتهي قبل أن تتعداها إلى المساحة المخصصة للآخرين، وعندما يقع التعدي فإن سيادة القانون يجب أن تكون وحدها من يملك حق الفصل بين الفرقاء، وليس العضلات والأذرع الطويلة.

العلامة الأخيرة: يدور الحديث مؤخرا عن قانون جديد للمطبوعات والنشر في الإمارات، وفي رأيي فإنه يجب أن يدور الحديث عن ثلاثة قوانين جديدة، واحد لتنظيم مهنة الصحافة، وثان لتنظيم النشر، وثالث لتنظيم حرية الرأي والتعبير.

كاتب إماراتي