يبدو أن لبنان على موعد مستمر مع أوضاع ساخنة بعضها بسبب الخلافات الداخلية السياسية وكثير منها بسبب السياسات الإقليمية والدولية التي لعبت منذ استقلال لبنان قبل أكثر من خمسة عقود دوراً جوهرياً لحسم الكثير من القضايا اللبنانية الداخلية من جهة، واسخدام لبنان كساحة لحسم صراعات مختلفة ذات طابع إقليمي ودولي، الأمر الذي لا يزال مستمرا حتى وقتنا الحاضر.
ولا شك أن استمرار الصراع العربي ـ الإسرائيلي وفشل العملية السلمية كان لهما أثر كبير على مجريات الأمور في منطقة الشرق الأوسط وتحديداً في لبنان بسبب العامل الجغرافي المتاخم لفلسطين المحتلة ولدول وشعوب عربية مازالت تعيش حالة حرب مع إسرائيل وتعاني من الاحتلال العسكري الإسرائيلي المستمر لأراضيها .
كما هو الأمر في هضبة الجولان المحتلة والأراضي الفلسطينية المحتلة منذ 1967، إضافة إلى الأراضي اللبنانية المحتلة. كما أن استمرار مشكلة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان ودول الجوار العربي ستظل تلعب دوراً ضاغطاً على دول اللجوء من أجل إيجاد حل عادل لهذه المسألة الإنسانية والسياسية والوطنية في وقت واحد.
إن استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية لن يتوقف عن لعب دور بارز في استمرار حالة اللااستقرار واللاأمن في المنطقة مهما حاول البعض من داخل المنطقة أو من خارجها العمل على إثبات العكس أو تسويق مبادرات أو تقديم الوعود أو حتى التلويح باستخدام القوة العسكرية والحصار الاقتصادي أو غير ذلك من ممارسات الغطرسة والعنجهية والمؤمرات.
هذا ولعبت السياسة الأميركية في عهد إدارة الرئيس بوش دوراً خطيراً في تأجيج الأوضاع ودفعها إلى الهاوية عندما أعلنت الحرب على الإرهاب واحتلت القوات الأميركية العراق وأيدت الحرب الإسرائيلية على لبنان في الصيف الماضي ومؤخراً تسعى لتشديد الخناق على السودان وفرض حصار دولي عليه. كما أن الإدارة الأميركية لا تتوقف عن إطلاق تهديداتها لإيران بمزيد من الحصار الدولي وباستخدام القوة العسكرية إذا لم تتوقف عن تطوير قدراتها النووية السلمية.
والأهم من هذا وذاك أن الإدارة الأميركية التي ما انفكت تتحدث عن الشرعية الدولية وقرارات مجلس الأمن والفصل السابع لا تلتزم هي بهذه القرارات وترفض دائماً ممارسة أية ضغوطات حقيقية أو حتى وهمية على حليفتها المدللة إسرائيل من أجل تطبيق القرارات الدولية بشأن الصراع العربي ـ الإسرائيلي أو حتى تنفيذ خطة خارطة الطريق التي هي أساساً صناعة أميركية.
وتستمر سياستها المعروفة بازدواجية المعايير لصالح إسرائيل وضد المصالح والحقوق العربية، والتي كانت دائماً سبباً مباشراً في ايجاد أجواء سياسية وأمنية سلبية في المنطقة، ورسخت قناعة لدى الشعوب العربية والإسلامية بأن السبيل الأنجع لتغيير السياسة الأميركية تجاه منطقة الشرق الأوسط يتم عبر خيار المقاومة بشتى وسائلها.
كما أن السياسة الأميركية في هذه المنطقة خسرت كل مصداقيتها عندما تحدثت تحديداً إدارة الرئيس بوش ومن منطلق نظري بحت عن نشر الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان في العالم وفي منطقة الشرق الأوسط في حين أثبتت التجارب التاريخية وبشكل عملي أن الولايات المتحدة استخدمت العديد من الوسائل لمنع انتشارها وتجسيدها على أرض الواقع، وخير دليل على ذلك ما عرفناه عن السياسة الأميركية تجاه العراق وفلسطين ولبنان وباقي دول العالم الثالث.
مما لا شك فيه أن إدارة الرئيس بوش مارست سياسات استبدادية تجاه الدول العربية والتي بينت بالممارسة العملية أنها سبقت كثيراً في تأثيرها المخرب والمدمر تلك السياسات التي مارستها كثير من الأنظمة الاستبدادية في منطقة الشرق الأوسط. وثبت أن مشاريع الشرق الأوسط الكبير والجديد كانت مشاريع لشرق أوسطي مقسم ومدمر وقديم أهم معالمه الأساسية تتلخص بالفوضى البناءة والحروب والقتل والإرهاب والاحتلال.
وهذا ليس رأي الشعوب العربية والأوروبية فحسب ولكنه أيضاً رأي غالبية الشعب الأميركي الذي بدأ يتساءل عن القيم العظيمة والنبيلة التي أتى بها الآباء المؤسسين للدولة الأميركية والأمة الأميركية العظيمة والتي تلاشت كثيراً في عهد الرئيس بوش الابن حتى عن الشعب الأميركي نفسه.
إن ما يجري حالياً في لبنان يبشر بأيام عصيبة للبنانيين والفلسطينيين والعرب جميعاً لأنه يبدو أن الخيوط تشابكت في منطقة الشرق الأوسط بحيث لايعرف أين تبدأ وأين تنتهي كتلة الخيوط المتشابكة تلك، والأوراق اختلطت بحيث لايمكن التمييز بين الصفحة الأولى والصفحة الأخيرة ولا ندري ما ستسفر عنه في النهاية. لا شك في أن هنالك جنينا تحمله أحشاء هذه المنطقة من قبل اللاعبين المحليين والإقليميين والدوليين، الذين لايريدون أن تهدأ ولو لقليل، ما يبشر بصيف ساخن يضاهي أجواء المنطقة سخونة إن لم تتجاوزها، فتجعل من الصيف صيفين، ومن الحرارة ضعفين.
إلا إذا قرر الفرقاء اللبنانيون، معارضة وموالاة، أولاً وقبل كل شيء نبذ الخلافات السياسية والعودة للحوار الوطني غير المشروط ومناقشة المصالح الوطنية اللبنانية قبل الإقليمية والإقليمية قبل الدولية، والتأكيد على الثوابت اللبنانية المتعلقة باللاجئين الفلسطينيين لا سيما حقهم بالعودة إلى وطنهم في فلسطين وإعطائهم كامل الحقوق المدنية أثناء تواجدهم في لبنان.
كما يتوقع من كل اللبنانيين الإعلان عن استعدادهم بفتح علاقات طبيعية مع الجارة التاريخية سوريا سيما .
وأن المحكمة ذات الطابع الدولي أصبحت واقعا دوليا ولم يعد هناك ما يتخوف منه بعض اللبنانيين بهذا الخصوص. إنه ليس في مصلحة لبنان واللبنانيين أن تستمر العلاقات اللبنانية ـ السورية بهذا المستوى المتدهور لأن في ذلك مصلحة لأطراف دولية وإقليمية غير عربية وهي الأطراف التي ساهم بعضها، بشكل مباشر أو غير مباشر، في قتل اللبنانيين خلال العقود الماضية واحتلت الأراضي اللبنانية وسرقت المياه اللبنانية وسببت في وجود مأساة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان.
إن كل الجرائم التي ارتكبت ضد لبنان واللبنانيين والفلسطينيين في صبرا وشاتيلا وقانا وغيرهم من قبل الاحتلال الإسرائيلي مثلها مثل جريمة قتل الرئيس رفيق الحريري البشعة أو أكثر تستحق أن تشكل من أجلها محكمة دولية للتحقيق مع الجرائم الفظيعة التي ارتكبتها إسرائيل علناً ضد المدنيين الأبرياء، علماً أن منفذ الجرائم في الحالة الأولى معروف ولا يحتاج إلى تحقيق لكشف هويته.
كما يجب أن يدرك الفرقاء اللبنانيين أن المقاومة اللبنانية هي كنز من كنوز التاريخ يحسدهم عليها كل شعب في هذا العالم واقع تحت ظلم الاحتلال والمحتلين. فهذه المقاومة التي أثبتت قدرتها القتالية في اكثر من مناسبة وأثبتت نزاهتها وإنسانيتها وحكمتها في معالجة الشؤون الوطنية والسياسية لا تستحق إلا كل الاحترام والتقدير والتبجيل لأنها حققت الأهداف السياسية والعسكرية التي من أجلها قامت ومن أجلها قدمت التضحيات.
عجباً من زمن يتحول فيه القاتل إلى صاحب حق والمجرم إلى بريء والسارق إلى شريف ويصبح المناضل مخرباً والشريف متهماً والوطني خائناً. لقد تم تدويل القضاء اللبناني وتم تدويل الحدود اللبنانية الجنوبية وتم تدويل الأمن اللبناني ولم يبق إلا تدويل الحدود اللبنانية الشمالية والشرقية وتدويل القضاء على المقاومة اللبنانية، فهل ما يجري في لبنان حالياً من تفجيرات إرهابية ومعارك في المخيمات الفلسطينية يهدف إلى تحقيق هذه الأهداف؟
يجب أن يبقى لبنان أمانة بيد كل السياسيين والقوى اللبنانية وليس بيد القوى الإقليمية أو الدولية وخاصة تلك التي تعلن عداءها للعرب والمسلمين.
كاتب وباحث سياسي