أطلق عليها «حرب الأيام الستة»، لكنها في الحقيقة حسمت في أقل من ست ساعات عندما قضت الهجمات الجوية الإسرائيلية كتدشين للحرب على القوة الجوية المصرية خلال اليوم الأول. مع موجة تلو موجة من القصف دمرت الهجمات الإسرائيلية مئات من الطائرات الحربية المصرية كانت جاثمة على الأرض، موزعة على 19 مطاراً، والسؤال: من يتحمل المسؤولية، والإجابة السهلة: جمال عبدالناصر، لكنها إجابة غير دقيقة وغير شاملة.
قبل بضعة أيام من وقوع الهجمة الإسرائيلية الاستهلالية في صباح الخامس من يونيو 1967 أبلغ الرئيس عبدالناصر كبار مساعديه في اجتماع رسمي سري بهذا الموعد مقدماً، ويقال إن عبدالناصر تلقى المعلومة من الاستخبارات السوفييتية وكان من بين الحضور في ذلك الاجتماع التاريخي القائد العام للقوات المسلحة المشير عبدالحكيم عامر، وفي صباح 5 يونيو كان المشير على متن طائرة بغرض تفقد قوات الجيش المصري المرابطة على سيناء استعداداً للمعركة المرتقبة.
هنا يكمن سؤال لم يوفر التاريخ أية إجابة حاسمة عنه: لماذا اختار المشير عامر هذا التوقيت وهو يعلم أن التقليد العسكري يقضي بأنه في حالة أن تكون طائرة القائد العام في الجو فإن قوات الدفاع الجوي تبقى متبطلة، هكذا تطابق موعد رحلة المشير التفقدية مع موعد بدء الهجمات الإسرائيلية على المطارات المصرية، وهكذا مع توقف وسائل الدفاع الجوي كانت الطائرات الإسرائيلية تعربد في الأجواء المصرية بكامل الحرية.
هل كان تصرف المشير عامر من قبيل الاستخفاف بالمعلومة الاستخبارية السوفييتية التي اعتمدها رئيس الجمهورية أم كان خيانة مقصودة؟
لا نعلم، ثم لماذا انتحر المشير بعد اكتمال الهزيمة؟
عبدالناصر هو الذي اختار عامر لمنصب القائد العام للقوات المسلحة وإلى هذا المدى يتحمل الرئيس المسؤولية عن الهزيمة، ولكن هذا الحكم ـ على صحته ـ مبني على افتراض ضمني بأن مسؤولية الصراع العربي مع إسرائيل محصورة بالكامل في مصر وعبدالناصر وكأن الدول العربية الأخرى والقادة العرب الآخرين ليس لهم دور سوى «البعد عن الشر والغناء له»، وبناء على هذا الافتراض أيضاً فإنه حتى الأردن وسوريا اللتان شاركتا في حرب 67 لايأتي لهما ذكر عند التساؤل عن مسؤولية الهزيمة.
تحت زعامة جمال عبدالناصر اجتهدت مصر وجاهدت فتطوعت بابتدار المواجهة الساخنة ضد إسرائيل، في حين نأى العرب الآخرون بأنفسهم ووقفوا يتفرجون، بل وبعض قياداتهم كانوا يتمنون أن تحيق الهزيمة بمصر الناصرية وأن تضطر الزعامة الناصرية إلى الخروج نهائياً من مجرى التاريخ.
أجل تبرعت دول عربية بمساعدات مالية سخية لمصر الناصرية، لكن هذه المساعدات جاءت بعد فوات الأوان بعد أن وقعت الهزيمة بالفعل.بكلمة واحدة؛ إن الذين شاؤوا ألا يشاركوا في الحرب مع مصر الناصرية لايملكون الحق في تحميلها مسؤولية الهزيمة.