الجرح المفتوح في لبنان آخذ في التوسع. نزفه يزيد ويهدد بالمزيد. المواجهة بين الجيش و«فتح الإسلام» في مخيم نهر البارد بدأت تتناسل عنها مواجهات وتفجيرات. كل المؤشرات، الميدانية والسياسية، ترشحها لتفريخ حلقات جديدة، من بضاعة المسلسل ذاته.
في اليومين الأخيرين امتدت نار الاشتباكات من «البارد» إلى مخيم «عين الحلوة». الأجواء متوترة ومأزومة في المخيمات الأخرى، واكب ذلك عودة إلى تفجير السيارات المفخخة. هذه المرة في ضواحي بيروت الشرقية. والحبل على الجرار. وإذا كانت الرسالة تقرأ من عنوانها، فإن التصعيد المتجول في لبنان حالياً له عنوان واحد: إغراق البلد بمتاهات حالة من الفوضى والاضطراب، مفتوحة على احتمالات الانهيار التام. يعزز هذا المخطط ويصب في طاحونته، أن الأزمة السياسية التي يعيشها لبنان، تراوح مكانها، من دون أفق. الملفات الخلافية على حالها.
عدم التزحزح عن المواقف، سيد الساحة. يضاف إلى ذلك عامل جديد دخل على خطها؛ ويتمثل بالمخيمات الفلسطينية ـ أو بعضها ـ التي دخلتها قوى مسلحة لها أجنداتها الخاصة، المتصادمة مع المصلحتين اللبنانية والفلسطينية.
مثل هذه الخلطة من عناصر التأزيم والتفجير الداخليين. غير مسبوقة. ولا هي مسبوقة من حيث ظروفها الإقليمية المحيطة بها؛ والتي تختزن مخاطر من العيار المصيري. الأمر الذي يفرض على المعنيين، اللبنانيين وأيضاً الفلسطينيين في المخيمات، التعامل مع التطورات الجارية، من خلال مقاربة مختلفة تماماً عن المألوف. فبالنسبة إلى الأطراف اللبنانية، أخذ الوضع انعطافة حادة، تكاد تبهت معها الخلافات حول الحكومة والمحكمة، وحتى الاستحقاق الرئاسي القادم؛ على أهميته الخاصة ذلك انه إذا ما تواصلت عملية تناسل الانفجارات على هذا النحو فإن مصير البلد يصبح على المحك. وهو تهديد ينبغي استدراكه. وإلا لما بقي للخلافات ما يبررها. ومع ذلك لم تشهد ساحة الأزمة السياسية أية حلحلة.
الخطاب نفسه. وذخيرة التراشق الإعلامي ـ السياسي، نفسها. علماً بأن الجميع يدرك ويعترف، بأن الأمور تنطوي على تهديدات تلامس النخاع الشوكي للبلد. كذلك هي الحال ولو بدرجة أقل طبعاً؛ بالنسبة للمخيمات الفلسطينية. فهذه الأخيرة وجدت نفسها في حالة لا تحسد عليها؛ عندما جرى استخدامها كمتراس ضد الجيش اللبناني. مسارعتها إلى التنصل والتبرؤ من هذه الوضعية، كان عين الصواب. ولاقي كل الارتياح. لكن الأمر توسع وتمدد إلى مخيم آخر. المراهنة على وقيعة فلسطينية لبنانية فشلت. فشلها انجاز. لكن المشكلة لم تنته بعد.
لاشك أن المعادلة اللبنانية وتعقيداتها الراهنة، شديدة الحساسية والالتهاب. ساحتها مليئة بالألغام والحفر. وبذلك هي تستدعي التروي، اجتناباً للوقوع في الفخ. لكن في ذات الوقت هشاشة الوضع لا تسمح بالجرجرة. اللبنانيون مطالبون بإعادة النظر في حساباتهم ومواقفهم. وخصوصاً بأولوياتهم.
الاستمرار بلعبة حافة الهاوية ينطوي على مجازفة كبيرة قد تودي بالجميع إلى الهاوية. وكذلك الأمر، الجانب الفلسطيني عليه التحرك بما يكفل قطع الطريق أمام محاولات إشعال المخيمات، وإلا لحقت هذه الأخيرة بمصير الساحة اللبنانية؛ إذا بقيت المعالجات على حالها، فالمخطط يستهدف الاثنين اللبناني والفلسطيني.
