في اللحظة التي يسود فيها التشاؤم، ويهيمن على المنطقة كلها اليأس تجاه واقع العالم العربي ومستقبله، يفاجئنا صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي ـ كعادته ـ بمبادرة جديدة تفتح أفقاً واسعاً من الأمل في منطقة هيمن عليها سوء الطالع طويلاً.

في البحر الميت وخلال فعاليات المنتدى الاقتصادي العالمي الأخير و(تحديداً يوم السبت 19 ـ 5 ـ 2007)، فاجأ صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد العالم كله بإعلانه الكريم عن تخصيص وقف قيمته 37 مليار درهم (10 مليارات دولار) للإسهام في النهضة العلمية والثقافية في العالم العربي، عبر برامج تعنى بدعم العقول والقدرات العربية الشابة وإنشاء مراكز الأبحاث العلمية وبعثات الدراسات العليا في الجامعات العالمية.

إن معنى المبادرة الفكري يفوق حجمها المالي (وهو بكل مقاييس المنطقة ضخم ويمكن أن يحدث فعلاً آثاراً إيجابية على المنطقة العربية كلها). وهذه المبادرة تعكس تفكيراً مختلفاً في منطقتنا تنطلق من «رؤية» تقرأ الراهن بوعي وواقعية وتستشرف المستقبل بعقلية من يخطط لمستقبل يستطيع فيه الإنسان العربي أن يواجه تحديات التنمية ويستثمر أيضاً في إمكانات المستقبل وفرصه.

ولهذا ليس من المبالغة أن نصف هذه المبادرة بواحدة من أهم الأحداث الإيجابية ـ وأكثرها نفعاً ـ التي مرت بها المنطقة منذ عقود، لأن تنمية الإنسان وبناءه فكرياً وتهيئته لتحديات المستقبل هي فعلاً المنطق الذي يحكم هذه المبادرة. إنها حقاً من المبادرات النادرة في عالمنا التي تستحق فعلاً الثناء والاحتفاء.

وفي الوقت الذي يستمر فيه العالم العربي منشغلاً بصراعاته السياسية والأيديولوجية على حساب التنمية الحقيقية لإنسان هذه المنطقة، تأتي هذه المبادرة المختلفة لتذكرنا بأهمية ترتيب اولوياتنا اليوم، خاصة والعالم كله يشهد منافسة اقتصادية وعلمية لن يكسب فيها سوى المؤهل علمياً، ولن يصمد أمام تحدياتها غير المهيأ للتعامل مع العالم كله بمنطق قوامه المعرفة وانفتاح واثق على الآخر وثقة في النفس وقدرة على الاعتراف بأخطاء الذات ومواجهتها.

إن المنشغلين بالماضي وجدالاته ومآسيه لن يقوون على التعامل الواثق مع تحديات المستقبل ناهيك عن الاستثمار الناجح في إمكاناته وفرصه. كم هو محزن جداً أن تهدر طاقات الأمة وإمكاناتها في صراعات متواصلة تسهم في تخلف العرب عن ركب الحضارة والتطور. قاتل الله صراعاتنا السياسية وحروبنا التي لم تهدأ منذ داحس والغبراء!

اقرأ الواقع العربي اليوم ثم تحسر على المشهد القاتم من حولك: انظر إلى واقع التعليم في العالم العربي، كم هو محزن ومخيف! تأمل حال جامعاتنا العربية التي ما زالت في آخر قائمة أي تصنيف عادل للجامعات حول العالم. قارن المشهد العلمي في الدول العربية بأي منطقة أخرى من العالم لترى مدى تراجع العالم العربي وتأخره.

تمعن في التقارير الصادرة عن منظمات دولية محايدة تعنى برصد حالات الفساد المادي والإداري في العالم ولا تندهش عندما ترى دولاً عربية تتصدر قوائم الفساد بكل أشكاله وألوانه. أعد قراءة أرقام البطالة ونسبة الأمية في الوطن العربي كي تدرك فعلاً حجم المأساة وهولها. يا لها من كارثة إن لم ندرك فعلاً حاجتنا الماسة لإصلاح عاجل (الآن..الآن) لواقع التعليم ومناهجه وأساليبه!

إن دبي ـ تحديداً ـ تظل المميزة بين بقية المدن العربية الأخرى التي أدركت جيداً معنى التأهيل والتحصيل العلمي وهي من المراكز النادرة في محيطنا (إن لم تكن الوحيدة) التي اعتمدت مقياس الكفاءة والتأهيل معياراً رئيسياً للتوظيف والتفوق والوصول إلى المواقع القيادية. إن الارتكان فقط إلى علاقات «النسب والحسب» أو عقلية «هذا ولد عم وهذا ولد خال» في التوظيف أو في تقاسم المناصب والمواقع القيادية العليا ليس سوى أحد أعراض التخلف في العالم العربي، مشكلة تنموية كبيرة يحسب لدبي أنها تجاوزتها وأثبتت أن بالإمكان قهرها.

الكفاءة القائمة على التأهيل العلمي والخبرات العملية والقدرة على التفكير الخلاق والإبداع المتجدد كلها تأتي ضمن عوامل النجاح والتميز لأي مؤسسة تسعى فعلاً إلى الإنجاز والتفوق.

الآن تتجه أنظار الطامحين لإصلاح حقيقي في العالم العربي إلى دبي كي تأخذ بأيديهم نحو مستقبل يمكن العرب من الصمود والمنافسة على مستوى الاقتصاد والتنمية. ولهذا سيكون أمام مؤسسة محمد بن راشد التي تأسست لتفعيل مبادرته الجريئة ـ تحديات كبيرة وكثيرة لعل في مقدمتها القدرة على تأسيس (ثقافة) جديدة في المنطقة تقدم هموم التنمية على خصومات السياسة وتخطط بوعي وجدية للمستقبل بدلاً من التباكي على الماضي والأمجاد الغابرة.

من المهم أن يراعى مبدأ «تكافؤ الفرص» في تفعيل برامج هذه المبادرة الخيرة. هناك مناطق كثيرة في العالم العربي ما تزال التنمية الإنسانية فيها غائبة كلياً. هناك مئات الآلاف من الشباب العربي (بنين وبنات) لا تتاح لهم فرص التعليم البناء ناهيك عن فرص الابتعاث للدراسة في الخارج.

أن تمنح فرصة تعليم حقيقية لإنسان من قرية نائية فإنك تسهم عملياً في فتح نافذة أمل لقرية كاملة في مستقبل أكثر إيجابية. الريف في العالم العربي مليء بقدرات ذات ذكاء فطري لكنها بأمس الحاجة لمن يأخذ بيدها ويمنحها فرصة جادة للدراسة في جامعات أو معاهد عالمية. هناك أيضاً عشرات، إن لم يكن مئات، العقول العربية والعالمية تتمنى فرصة حقيقية للعمل في المنطقة العربية متى ما أتيحت لها الإمكانات من مراكز بحوث وجامعات مستقلة وذات ظروف أكاديمية جادة.

إن ما يزيد من تفاؤلنا بهذه المبادرة الخلاقة، هو واقعية صاحبها وهو يتحدث عنها، إذ يؤكد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد أن مبادرته هذه ليست سوى «خطوة أولى وقطرة ماء على طريق طويل، يهدف إلى بناء جيل متعلم ومثقف يعنى بالبحوث والدراسات العلمية والأدبية والإنسانية».

ليكن أملنا كبيرا أن يفتح الله على قلوب أهل المال في العالم العربي للاقتداء بصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم والإسهام في مشاريع تنموية إنسانية لمجتمعاتهم. ولعل هذه المبادرة ـ التي نحتفي بها هنا ـ تفتح الباب واسعاً أمام منافسة عربية ـ عربية نحو تنمية حقيقية يكون الإنسان مركزها ومنطلقها، وما ذلك على الله بعسير.

رئيس تحرير مجلة «فوربس» العربية

hattlan@post.harvard.edu