تكاثرت الأحاديث والتناولات لظروف وملابسات هزيمة يونيو 1967 مع حلول الذكرى الأربعين للهزيمة، ربما لكثرة القنوات الفضائية وتسابقها إلى إحياء المفاهيم القومية المتجذرة في نفوس الشعوب العربية وطغت عليها أوضاع حقبة الضبابية التي سادت في الربع الأخير من القرن الماضي، وتلك الحيرة التي اكتنفت الجانب العربي الذي عزف على وتر السلام طويلاً عقب انتصار السادس من اكتوبر 1973 ورفع شعار انها آخر الحروب.

هذه الحيرة مردها ان الجانب الاسرائيلي لم يأخذ حديث السلام على محمل الجد، وظل الأمر كذلك حتى الآن، حيث تعاظم الشعور لدى الاسرائيليين بأن المدى مفتوح أمامهم لجني مكتسبات عبر التلويح بالسلاح حتى جاءت مواقف عمقت شعوراً قوياً بالهزيمة النفسية مثل نتائج الحرب الأخيرة على لبنان في الصيف، واليقين الذي تجذر في نفوس الاسرائيليين ان عصر البطولات والانتصارات قد انتهى، وكانت نتائج أبحاث لجنة فينوغراد بمثابة شهادة وفاة للثقة الزائدة في النفس التي كانت تجتاح الاسرائيليين.

لكن الموضوعية تقتضي ان نقول إن الجانب العربي لم يحسن حتى اللحظة كيفية استثمار هذه الهزيمة النفسية والمعنوية التي تجتاح الاسرائيليين اليوم إلى حد عدم القدرة على تقديم أي طرح سياسي، ورغم ان العرب قدموا المبادرة العربية للسلام أكثر من مرة الا أن الاسرائيليين وبدعم أميركي ضربوا بها عرض الحائط حتى اليوم، وذلك لتشتت الجهود العربية وتضارب المواقف وعدم توفر الارادة السياسية العربية التي تؤهل لموقف عربي موحد يقف خلف المبادرة ويطرح بدائل في حالة استمرار الرفض الاسرائيلي والخوض في مسار القتل والاعتقال والتلويح بإعادة احتلال الاراضي التي اعتبرت محررة مثل قطاع غزة.

ولسنا في وارد الدعوة الى جلد الذات او التباكي على ما فات فالوقائع على الارض قد أدت الى تجاوز هذه الحالات، فلدى العرب من أوراق الضغط ما يمكنهم من تغيير الاتجاه صوب جني مواقف داعمة للمبادرة العربية، ونحن نلمس تطوراً واضحا في الخطاب السياسي الفلسطيني يدعم أفكار الاستقلال ولعل أهم ما يمكن الوقوف عنده في خضم المناسبة حديث الرئيس الفلسطيني محمود عباس في مناسبة إحياء ذكرى النكسة حيث قال: إن الفلسطينيين تجاوزوا هزيمة عام 1967 ويحثون الخطى في اتجاه اقامة الدولة الفلسطينية، رغم كل الصعوبات الموضوعية التي تواجه القادة الفلسطينيين، ومجملها بسبب القيود التي فرضتها واشنطن على طريقة التعاطي مع ملف الصراع العربي الاسرائيلي.

لقد اطلق الرئيس الفلسطيني محمود عباس مقولة تستحق الوقوف عندها طويلا واعتبارها علامة فارقة في المسار وهي أن قيام الدولة الفلسطينية المستقلة يسقط من الذاكرة الهزيمة التي مني بها العرب عام 1967.

وهو بالتأكيد على حق لأن الهزيمة كانت تعني تأجيل الانتصار، والانتصار هو عودة الاراضي المحتلة الى أصحابها واكبر نموذج لتحقيق هذا الهدف هو قيام الدولة الفلسطينية باعتبارها مدخلا لحل كافة الصراعات التي تفرعت عن الصراع العربي الاسرائيلي وما اكثرها وأعقدها.

كما يجب أن تمضي إلى الابد روح الهزيمة ومناخ الاستبداد السياسي الذي اتخذ من تحرير الأرض تكئة للممارسات السياسية السلبية التي ساهمت فيما مضى في إيهان العزائم وضعضعة الشعور القومي العربي.