لم تقف التحولات والتبادلات التنظيمية والسياسية داخل حزب العمل الإسرائيلي، وهو الحزب الأعرق في إسرائيل طوال العقدين الماضيين، فقد تواصلت تلك التحولات التي انتقلت بحزب العمل من حزب المؤسسين في الدولة العبرية الصهيونية إلى حزب المقعد الثاني أو الثالث بعد حزبي الليكود وكاديما، وأصبح الموقع الأول فيه عرضة للتغيير الاستثنائي المتكرر.
فنتائج الجولة الأولى من انتخابات المركز لرئاسة حزب العمل الإسرائيلي التي جرت قبل أيام قليلة في مدينة تل أبيب، كرست انكفاء القيادة المدنية بشخص اليهودي الشرقي المغربي الأصل عمير بيرتس وعودة العسكر إلى المواقع القيادية المتنفذة بشخص المتنافسين الرئيسيين في الجولة النهائية الثانية المتوقعة بعد أسبوعين من تاريخه، الجنرال ايهود باراك، والجنرال المخابراتي عامي ايالون (بوجي) بعد صراع على الموقع القيادي الأول بين شخصيات من الحزب تضم بين ثناياها جنرالات من العسكر وأجهزة الأمن المتقاعدين الذين لا يختلفون في الجوهر عن عتاة أحزاب اليمين العقائدي والتوراتي الصهيوني.
وبهم يعود حزب العمل إلى جذوره وسياساته البراغماتية التي تخفي القسوة والتشدد تحت لحاف ناعم، متماهين في هذا مع ارث الحزب من ديفيد بن غوريون إلى ليفي اشكول إلى غولدا مائير، فالمنتصر الأعظم داخل حزب العمل في الجولة الأولى من انتخابات الرئاسة هم بالنتيجة شخصيتان رئيسيتان من صف العسكر وصقور الحزب.
كما أدت الجولة الأولى من انتخابات الرئاسة إلى إزاحة قيادة اليهود الشرقيين من السفارديم ممثلين بشخص رئيس الحزب الحالي عمير بيرتس لصالح عودة الحزب تحت رئاسة اليهود الغربيين من الاشكناز لصالح المتنافسين أيهود باراك وعامي ايالون، وذلك في ظل تحولات ملحوظة طرأت على الحزب منذ مدة من الزمن بعد خروج شخصيات تاريخية من صفوفه وانضمامها لحزب كاديما الذي أسسه أرييل شارون، وفي المقدمة منهم الرجل التاريخي في حزب العمل شمعون بيرس الذي أمسى في الموقع الثاني داخل حزب كاديما، فضلاً عن خروج يوسي بيلين، الشخصية المثيرة للجدل والذي أسس حزباً صهيونياً آخر مع حزب ميريتس.
وكانت التحولات المشار إليها داخل حزب العمل قد سبقتها نشوء ظاهرة توالد التيارات والمنابر، وهي تيارات تتنوع في توجهاتها ورؤيتها للقضايا المطروحة على جدول أعمال الحياة السياسية داخل الدولة العبرية، خصوصاً بالنسبة لقضايا التسوية مع كل من سوريا والفلسطينيين، وبالنسبة للقضايا الإسرائيلية الداخلية.
ومع أن وجود التباين السياسي ونشوء التكتلات والمحاور ليس بالأمر الجديد داخل حزب العمل المستولد من رحم ائتلاف «المعراخ» تاريخياً، وتحديداً، سنوات السبعينات من القرن الماضي، إلا أن الظاهرة إياها استفحلت مؤخراً على خلفية التطورات العاصفة التي وقعت مع انكسار عملية التسوية مع الفلسطينيين ووصولها إلى الحضيض أولاً، ومع هزيمة مشروع الحرب على لبنان صيف العام الماضي ثانياً، وهو المشروع الذي قاده الشريكان الائتلافيان من حزبي العمل وكاديما: ايهود أولمرت، وعمير بيرتس، حيث برزت من حينها عوارض الاهتزاز داخل الائتلاف الحكومي (العمالي الكاديمي)، وتعالت الأصوات من داخل حزب العمل المطالبة بفض الشراكة مع حزب كاديما.
إذاً، إن صراع الكتل داخل حزب العمل، وتضعضع مكانته داخل الوسط اليهودي في فلسطين المحتلة، يأتي على خلفية التخبطات السياسية على المستويين الداخلي والخارجي التي باتت سمة من سمات السياسات الإسرائيلية الرسمية في ظرف لم تعد فيه كادرات الحزب وقياداته التقليدية من ( الحرس القديم ) تتقبل بعض الأفكار الجديدة التي تنطلق من حين لآخر من قبل البعض من القيادات الحزبية، فعلامات التعب والإنهاك بدت ماثلة أمام أعضاء الحزب الذين ضاعوا في لجة الصراع العميق بين أجنحته المختلفة.
وضاعوا أمام الخيارات السياسية التي بدت غير واضحة، فانكمش الحزب انكماشاً غير مسبوق في تاريخ إسرائيل وكاد أن يتحطم كلياً في صراعاته وتخبطه السياسي، وكاد أن ينهار معه تيار المؤسسين الذين أسسوا الدولة العبرية واقتصادها وجيشها وخاضوا حروبها التوسعية ضد الشعب الفلسطيني والبلدان العربية.
ويمكن أن نلحظ مدى التحطم والتهتك التنظيمي والسياسي الداخلي في حزب العمل من خلال التواتر اللاطبيعي في تعاقب الرؤساء على قيادة الحزب بفواصل زمنية غير مقنعة، ففي ظرف عشرة أعوام خلت شهد الحزب تغيير سبعة رؤساء في رئاسته، بينما كان التواتر الطبيعي يمتد على مسافة زمنية تتراوح عشر سنوات في القيادة الحزبية لرئيس الحزب خلال مسيرة الحزب ذاته، الأمر الذي يعزز ما ذهبنا إليه.
وفي هذا السياق، فإن الاعتمالات الداخلية في حزب العمل وانحصار التنافس الرئاسي بين جنرالين من زبدة العسكر الإسرائيليين من يهود الاشكناز الغربيين، سينعكس مباشرة على التحالف القائم بين ـ حزبي العمل وكاديما ـ داخل الائتلاف الحكومي حيث أعلن أيهود باراك لجمهور حزب العمل بأنه في حال فوزه لموقع رئاسة الحزب سيعمل من أجل «إخضاع التحالف الائتلافي مع كاديما للتقويم بما في ذلك تبديل أولمرت بشخص أخر من كتلة حزب كاديما البرلمانية في ظل تداعيات تقرير فينوغراد» ويصر الجنرال باراك على طلبه بتوليه وزارة الدفاع في الحكومة الائتلافية.
وبالتوازي مع مواقف باراك أعلن أيضا الجنرال عامي ايالون مواقف قريبة لما أعلنه باراك بالنسبة للموقف من الحكومة الائتلافية. وبناء عليه فإن تبدلات ما ستفرض نفسها على الحكومة الائتلافية خلال الفترة القريبة بعد انجاز الجولة الثانية من الانتخابات المتعلقة باختيار الزعيم الجديد لحزب العمل، وعلى الأرجح فإن التبادلات ستطيح بأولمرت لصالح من يليه في قائمة حزب كاديما البرلمانية، مع استبدال عمير بيرتس بالفائز على رئاسة الحزب لموقع وزير الدفاع.
في هذا الإطار فإن الحديث عن انتخابات برلمانية إسرائيلية مبكرة أصبح بعيداً عن جدول الأعمال وسابقاً لأوانه تماماً، لأن كل مؤشرات واستطلاعات الرأي الأخيرة داخل إسرائيل والمنشورة على صفحات الصحف اليومية، تؤكد بأن الحظوظ الكبرى من النجاح حال إجراء الانتخابات المبكرة ستكون لصالح المنافس القوي لحزبي كاديما والعمل، أي لصالح حزب الليكود وزعيمه اليميني المتطرف بنيامين نتانياهو.
وبناء عليه تراجعت وتيرة الحديث المتعلق بالدعوة لانتخابات برلمانية مبكرة كما كان يطالب البعض من قادة حزب العمل، وحل مكانها الدعوة البراغماتية الجديدة لكسب جمهور يسار الوسط واليمين الصهيوني وحتى اليمين المتطرف وهي الدعوة المتعلقة بضرورة البحث في إعادة تقويم الوضع الأمني في ظل تساقط صواريخ القسام والأقصى على مستعمرات سديروت والنقب الغربي، والقيام بما أسمته المصادر الإسرائيلية في حكومة الائتلاف «الرد على العنف الدموي والإرهاب الفلسطيني» بما في ذلك توسيع نطاق عمليات الاغتيال حتى تصل إلى القيادة السياسية لحركة حماس، ومن ثم البحث في إعادة إطلاق المفاوضات مع الفلسطينيين.
من هنا، نستطيع القول بعدم صوابية الحديث المتفائل لدى البعض بشأن قدوم أي من أيهود باراك أو عامي ايالون لرئاسة حزب العمل بعد إزاحة عمير بيرتس، فكل واحد من هذين الاثنين يحمل على أكتفاه تاريخاً عسكرياً وأمنياً مشبعاً بالكراهية والدماء والتطرف، ويخفيان المزيد من التطرف السياسي تحت لحاف ناعم من البراغماتية السياسية.
ولا ننسى أيضاً بأن بدايات تدمير مؤسسات ومراكز السلطة الوطنية الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة بدأت في عهد أيهود باراك بعد أن انهارت مفاوضات كامب ديفيد الثانية بين باراك والرئيس الراحل ياسر عرفات صيف العام 2001، ومن ثم قيام أرييل شارون بمتابعة تدمير البنية التحتية للسلطة الوطنية الفلسطينية في العملية التي عرفت باسم عملية «السور الواقي عام 2002».
كاتب فلسطيني ـ دمشق