يربط البعض بين العبقرية والجنون أحياناً، وهناك من يعتقد أن «العبقرية والجنون تفصل بينهما شعرة رقيقة جداً». ولعل مرد ذلك إلى أن الكثير من العباقرة انتهى بهم الأمر إلى «الجنون»، مثل الفيلسوف نيتشه والفنان التشكيلي فان غوغ وغيرهما كثيرون.وبعض الفلاسفة يرى أن «الحلم جنون مؤقت»، حيث إن «الحلم سلسلة من التفكير غير المنتظم وغير المنطقي، وذلك هو ذاته ما يحدث للمجنون».

لكن إذا كان «جنون النائم» ينتهي باستيقاظ صاحبه، فإن «مجانين اليقظة» يبقى معهم جنونهم، غالبا، حتى النهاية والانتقال إلى العالم الآخر. فهل يكون ذلك مصير عالمنا الراهن؟لا شك أن جنون الفرد، مهما كانت خطورته، يظل محدودا ومحصورا في ذاته أو في محيطه الضيق، لكن حين يتحول الجنون إلى حالة عامة وعالمية فإن الخطر يعم البشرية ويهدد مصير الإنسان في كل مكان.

وإذا اعتبرنا أن الجنون هو التفكير غير المنتظم وغير المنطقي، فإن مظاهر الجنون العالمي أصبحت واقعا معاشا لا يحتاج إلى توضيح، ففي كل بقعة من عالم اليوم هناك صراع مجنون أو نزاع عبثي أو حالة من الغليان والفوضى لا تستند إلى منطق يقبله العقل أو يستسيغه الفكر المستقيم، حتى وان بدت في بعض الأحيان وكأنها تسير وفق تخطيط منظم تقف وراءه جهات يفترض أنها تتحلى بالمعرفة وتتمتع بالقدرة على التحليل وربط النتائج بمسبباتها، كما يفترض أن يكون العقل السليم!

والملفت انه كلما زادت مصادر المعرفة وتنوعت سبل التطور العلمي، كلما بدا العالم وكأنه ينساق أكثر نحو حافة الجنون ويقترب من هاويته يوما بعد يوم.لقد كانت نهاية «الحرب الباردة» مع انهيار الاتحاد السوفييتي أواخر القرن الماضي نقطة تحول اعتقد الكثيرون أنها ستقود إلى عالم أكثر أمنا واستقراراً، لكن تطور الأحداث وتداعياتها المتلاحقة بعد ذلك أظهرت أن هذا الأمل ما زال بعيد المنال، بل وأن العكس هو الصحيح.

فبدلاً من أن تعمل الولايات المتحدة، ومعها أوروبا، إلى تعزيز التعاون والشراكة الايجابية مع روسيا الاتحادية، نجد أن «أزمة الصواريخ» الحالية التي تريد أميركا نشرها في بعض دول أوروبا الشرقية تهدد بإعادة العلاقات بين الطرفين إلى ما كانت عليه أيام الاتحاد السوفييتي، وربما آسوا من ذلك إذا أخذنا على محمل الجد تصريح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بان روسيا «ستعود إلى موقفها خلال الحرب الباردة بتوجيه صواريخها إلى أوروبا إذا مضت الولايات المتحدة قدما في خططها لبناء درع للدفاع الصاروخي قرب حدود روسيا». بل انه ذهب ابعد من ذلك حين وصف السياسة الأميركية ب(الامبريالية)، وهو وصف يعيدنا، ليس فقط إلى قاموس الحقبة السوفييتية، وإنما إلى ذروة الحرب الباردة في عهدي ستالين وخروتشوف وأزمة «خليج الخنازير» مطلع الستينات الماضية.

لكن أزمة الصواريخ الحالية، التي بررتها أميركا بأنها «للتصدي لمخاطر من دول مارقة مثل إيران وكوريا الشمالية» واعتبرها علي لاريجاني أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني «نكتة العام»، ليست المظهر الوحيد لحالة الجنون العالمي، وان كان استفزاز قوة نووية عظمى، ودون مبرر واضح يمثل دليلاً كافياً على العبث الجنوني وعلى أعلى المستويات الدولية!

فالتغير المناخي لكوكب الأرض الذي ما زال المكان الوحيد المعروف لقابلية الحياة البشرية، يواجه تهديدا متزايدا بسبب الانبعاثات الحرارية التي تساهم بالنصيب الأكبر فيها الدول الصناعية الأكثر تطوراً، وخاصة الولايات المتحدة، وما زالت تكابر في العمل على التصدي لها بجدية وعقلانية، ويبقى استيلاد الحروب والنزاعات والعمل على إثارتها وإذكاء نيرانها كلما خفتت أو بدأت تتجه نحو الهدوء، مظهرا آخر أكثر جنوناً وعبثية.

إن نظرة بسيطة على مجمل خريطة العالم، توضح إلى أي مدى أصبح هذا العالم مجنوناً بالفعل، ويزداد جنوناً كل يوم، ففي آسيا تنتشر الحروب الساخنة وبؤر التوتر القابلة للاشتعال في أي لحظة، من كوريا إلى فلسطين مروراً بجمهوريات آسيا الوسطى وأفغانستان وإيران والعراق وحتى لبنان. بينما تعيش القارة الإفريقية في جهاتها الأربع حالة شبه مزمنة من الحروب والصراعات القبلية والإثنية والثنائية أو متعددة الأطراف، والوضع ليس اقل قتامة في أميركا اللاتينية.

حيث الصراعات الداخلية والبينية جينا ومع قوى خارجية أو مدعومة من الخارج أحيانا أخرى، وحتى في أميركا الشمالية وأوروبا لا تبدو الصورة وردية أو معافاة، ليس فقط لأن دول هاتين المنطقتين في الغالب هي أطراف مباشرة أو غير مباشرة في حروب وصراعات مناطق العالم الأخرى، وإنما أيضا بسبب ما تحتضنه من نزاعات واضطرابات ليس اقلها الدور المتنامي لمناهضي العولمة وسياساتها التعسفية. فهل هناك أمل في أن يستعيد العالم عقله وتوازنه؟ أم أنه لم يبق إلا أن نصدق مقولة إن «الجنون هو أن تظل عاقلاً في دنيا المجانين»؟