قرر مجلس الوزراء في دولة الإمارات العربية المتحدة خلال اجتماعه بتاريخ 4/6/2007 برئاسة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي (حفظه الله) ، تشديد الإجراءات والتدابير القانونية بحق العمالة المخالفة لقوانين وأنظمة الدولة ممن يقيمون ويعملون على أراضيها بصورة غير قانونية. وقد بين ذات القرار الآليات والإجراءات التي يجب إتباعها للقضاء على هذه الظاهرة السلبية .
هذا القرار يحمل في طياته الكثير والكثير ، فمن جانب أنه يعالج مسألة تحولت إلى ظاهرة سلبية مؤثرة في سوق العمل ، ومن جوانب المعالجة شملت إجراءات القضاء على بعض الممارسات الإجرامية التي ترتكب ضد المجتمع فهذا القرار جاء ليدعم حصانة المجتمع من الجريمة وأداة لمكافحتها ومن جانب آخر راعى القرار الجانب الإنساني في معالجة هذا الوضع عندما منح فترة ثلاثة أشهر تبدأ من تاريخ صدور القرار لتسوية أوضاع كل عامل مخالف لقوانين الدولة أو المغادرة خلال هذه الفترة دون تغريم أو مساءلة.
وهذه معاني إنسانية كبيره ومعالجة حكيمة للموقف حيث يراد لهذا القرار النجاح دون تعسف أو اعتداء على حقوق الآخرين وبذلك فإن الدولة أثبتت من خلال قراراتها أنها تحترم أي إنسان موجود على أراضيها حتى لو كان مخالفا للقانون وهذه تعتبر في معايير حقوق الإنسان من أرقى درجاته وهو ما ينسب إلى القيادة الحكيمة في دولة الإمارات العربية المتحدة.
ومن الجدير بالذكر هنا أن نذكر أن هذا القرار في مجمله يعتبر ثمرة من ثمار إستراتيجية الحكومة الاتحادية والتي سبق وأن أعلن عنها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حفظه الله والتي جاء في معرض خطابه وإشارته إلى المعالجة العلمية لموضوعي السكان والعمالة في الدولة ووضع الحلول الناجحة لها عبر تطوير القوانين وتعديلها وتغييرها ، وها هو أول قرار صدر في شأن تنظيم العمالة في الدولة وتصحيح مسارها ورفع كل حالة سلبية واقتطاعها قبل أن تستفحل لتكون ظاهرة.
وفي عود إلى موضوع العمالة المخالفة فإن المتتبع لموضوع تنظيم العمالة في الدولة وشؤونها يجد أن الدولة ممثلة برئيسها وحكومتها الاتحادية بدأت تهتم كثيراً بهذه الفئة والتي تمثل الشريان الرئيسي في الدولة وخصوصاً أن دولة الإمارات العربية المتحدة فيها من مشاريع العمل مما يستقبل معه الملايين من العمالة وبذلك تشكل هذه العمالة أهمية كبرى في اقتصاد الدولة واستقرار السوق فيها فيتوجب الاهتمام بها وتنظيمها جيداً .
وصحيح أن هناك ثغرات وهفوات رافقت الإجراءات التنظيمية للعمالة في الدولة مما أدى إلى ظهور سلبيات على جانبي أو طرفي المعادلة وهم العمال وأرباب العمل وظهر معها حوار جدلي حول موضوع تنظيم العمالة وأحوالهم وكان هذا الجدل يدور في دائرة تقصير صاحب العمل مرة وأخرى في دائرة تقصير العامل ذاته وسبب هذا الخلل كما أشرنا اليه فيما سبق في مقالات سابقة تعود إلى خلل وثغرات موجودة في قانون العمل .
والذي أصبح الآن مرمى التغيير الشامل . وقد تداخل الوضع العمالي في الدولة مع الوضع العام في المنطقة وتوجهاتها فأصبح من الضروري معالجة كل صغيرة وكبيرة في جانب تنظيم العمالة في الدولة وذلك لأغراض أمنية وأخرى اجتماعية وكذلك لاستقرار السوق واحترام القانون. حيث لا يمكن ان يكون المجتمع الإماراتي ضحية ظاهرة سلبية سببها مخالفات قانونية سواء كانت صادرة من أصحاب العمل أو من العمال ذاتهم ولا يمكن ان يكون المجتمع ضحية لصاحب عمل مقابل تشغيله عمالة مخالفة للقانون ومن أجل حفنة دراهم.
إن دولة الإمارات العربية فتحت ذراعيها وأسواقها للمواطنين والمستثمرين الأجانب والوافدين ووفرت بيئة آمنة للاستثمار والعمل فلا يجوز لأي شخص مواطنا كان أم وافدا أن يسييء إلى هذه الدولة ومجتمعها من أجل الحصول على منافع شخصية ، ومثل هؤلاء يجب التصدي لهم بحزم ، وعلى هذا حزمت الحكومة أمرها وأصدرت قرارها بمعالجة هذا الوضع ويبقى على الجهات الحكومية وأجهزتها المختلفة وضع الإجراءات المناسبة لإنجاح تطبيق هذا القرار من خلال منع المتسللين للبلاد وتكثيف الإجراءات التفتيشية لضبط كل مخالف واتخاذ الإجراء المناسب بحقه وفقاً للقرار.
الجريمة .. والعقاب - ويبقى أن نقول لأصحاب العمل أنه وبعد انقضاء المهلة القانونية الممنوحة لتصحيح أوضاع العمالة المخالفة للقوانين ، فإن أي إيواء لأي عامل أو تشغيله أو التستر عليه يعتبر جريمة بحق المجتمع والدولة ويتوجب إدانته وإيقاع العقاب عليه جزاء له. وأن الدولة جادة في مسعاها لتخليص المجتمع من هذه الظاهرة السلبية.
ويجب علينا جميعا أن نعرف أن الأمن هو من مسؤولية الجميع وجميعنا يجب أن نشارك في كشف الأساليب السلبية التي تنشأ نتيجة استغلال ظروف الدولة ومجتمعها ويجب استئصال هذه الأساليب من جذورها لكي نتخلص من خطر محدق يصيب المجتمع لا محالة في حالة عدم معالجة الأمر. والأكثر من ذلك نرى أن يتم اتخاذ إجراءات أكثر صرامة بحق كل مستثمر أو وافد يحاول أن يعبث بأمن المجتمع من أجل حصوله على منافع مادية شخصية ومن هذه الإجراءات هي إبعاده عن الدولة لكي نستأصل كل فعل ضار بالمجتمع.
ومن كل ذلك نلاحظ أن الحكومة الاتحادية وتنفيذاً لإستراتيجيتها المعلنة فإنها بدأت تتخذ من القرارات المؤثرة في شأن تنظيم العمالة وتحسين أوضاعهم بما يتلائم مع توجهات الدولة الإنسانية قبلهم وحفاظاً على المصالح الوطنية ، ومن هذا المنطلق فقد صدرت في الفترة الأخيرة الكثير من القرارات الداعمة للإجراءات التنظيمية للعمالة والعمال ومنها القرار الأخير الذي تمخض عنه حث الشركات على صرف رواتب العمال عن طريق البنوك .
وهذه لها دلالات ومعاني كبيرة أولها وأهمها هو الاطمئنان على حسن سداد رواتب العمال بأوقاتها من خلال البنوك ومقدراها مما تدخل في مسألة إثبات صرف راتب العامل من عدمه وكذلك مقداره. ونحن على يقين أن الحكومة الاتحادية في جعبتها الكثير من القرارات التي من شأنها أن تعالج الوضع السكاني والعمالي بما يخدم المجتمع والدولة.
كلية القانون ـ جامعة الشارقة
rashid.shabib@binshabib.ae