تصادف اليوم الذكرى الأربعون المشؤومة لعدوان إسرائيل الكبير على دول الجوار. مناسبة رافقها سيل من القراءات والتعليقات والتحليلات لذلك الحدث التاريخي الخارق. وقد تنوعت المراجعات، منها ما جاء بصيغة محاكمة سياسية: منصفة أو قاسية، للأسباب المباشرة للهزيمة. ومنها ما أتى في إطار تشريحي للواقع الذي أدّى إليها والخلفية التي حكمتها. وذلك طبيعي، محطة فاصلة من هذا العيار لابد وأن تثير الكثير من الجدل الطويل والواسع حولها، خاصة وأن التاريخ لم يصدر حكمه النهائي عليها بعد.

لكن الملفت أن المداولات التي أثارتها هذه الذكرى الأربعينية، جاءت كلها مأزومة أكثر من أي مرة سابقة لها. ليس لأن المنطقة عجزت حتى الآن عن تجاوز آثار وتداعيات تلك المحنة المفجعة وحسب؛ ولكن لأن أوضاعها الراهنة ازدادت سوءاً وتدهوراً، بل هي محاطة ومهددة بمخاطر تطاول وجودها ومصيرها، وربما هذا ما يفسر سخونة العودة الراهنة، إلى يونيو 1967؛ من زاوية أن ما وقع في ذلك العام الأسود، كان المدخل إلى ما هي الأمور عليه اليوم وأن تداعياته وإسقاطاته لا تزال تجرجر حتى الآن.

قد يكون لهذا التشخيص شيء من الجدارة، والذي لا جدال فيه أن ذلك العدوان خلخل الوضع العربي، من أساساته وزلزال بهذه الدرجة والقوة، تبقى له ذيول ومضاعفات طويلة الأمد، لكن السلبي في هذا التشخيص أنه قد يؤسس لحالة من الاستقالة والتسليم بالتدهور العام الحاصل وكأنه أمر حتمي، أفرزه فعل ماض، لا قدرة على التحكم به الآن والتعاطي مع ما يجري حالياً في الساحات العراقية والفلسطينية واللبنانية، ناهيك عن الساحات الأخرى من الصومال إلى السودان، يشير إلى وجود حالة من هذا التسليم.

في أحسن الأحوال هناك حالة من الشلل والتفرج، عملياً على التطورات البالغة الخطورة الجارية هناك. المشهد العراقي ينزف أكثر من أي وقت مضى. وباعتراف كل المعنيين به، أموره تسير من سيئ إلى أسوأ، مصيره مفتوح على كل النهايات المفزعة، وليس هناك أي تحرك بخصوصه، بل إن وضعه صار بين أيدي الأطباء الأميركيين والإيرانيين والطبيب العربي في إجازة.

المشهد اللبناني انفتح هو الآخر، بعد انسداد مديد في أزمته، على جولات التفجير الدموي المتناسل من «البارد» إلى مخيم «عين الحلوة» إلى .. من يدري غداً أين سيحط رحاله، أما الوضع الفلسطيني المعروف، الذي استعصى على الضبط بالرغم من كل العهود والاتفاقات، يبدو أنه يراوح مكانه، بانتظار دورة جديدة من التأزيم والمواجهات.

الهزيمة تعيش في وجدان الشعوب لأمد طويل. تحفر موقعها في الذاكرة وتصير جزءاً منها، وحدها المراجعة الجريئة تكفل عدم تكرارها، كما تكفل عدم تحولها إلى مشجب تعلق عليه الهزائم اللاحقة. 5 يونيو 1967 حدث تاريخي يستوجب التوقف عنده، في الوقت ذاته هو يستوجب تجاوزه من خلال التصدي لتداعياته كما لتحديات اللحظة الراهنة وإلا تحول إلى بكاء على الأطلال.