حرب 1967حاضرة في الذهن العربي، لأنها هزيمة جاءت بعد شحن عاطفي حوَّل المواطن العربي إلى وعاء يتلقى كل شيء بنوايا حسنة، وصدق مطلق، وقد كان مشروع غسيل الأدمغة جزءاً من تسوير الإنسان بشبكة من الدعايات المضللة، استخدمها هتلر بقلب الديموقراطية إلى نازية، واستعملها السوفييت في التربية الحزبية التي سلبت الإنسان إرادته وجعلته عبداً للأيدلوجية الماركسية يفسر العالم من خلال الجدلية التاريخية، وصراع الطبقات والأممية التي ستحل بديلاً عن الدولة والمجتمع في تذويب القوميات ومسخ الأديان تحت سلطة "البرلوتاريا" أو طبقة العمال.

شاع هذا الفكر في الوطن العربي، ولأن إسرائيل الفصل الأول في النضال من أجل تحرير فلسطين سقطت حكومات وليدة سعت إلى التعددية الحزبية والسلطة المدنية، وجاء العسكر تحت قبعة الحزبيين بالتبشير بالقومية، والوحدة العربية، والعدالة الاجتماعية التي لا تتحقق إلا من خلال الحزب الطليعي، والقائد الملهم، فكان المذياع والصحيفة، والمنشور أدوات فعل تشكيل المواطن، وإعطاء اليقين المطلق بمحو إسرائيل من خارطة العرب..

في هذه الأجواء ترسخ في ذهن الحكومات الثورية أن الرصاصة قبل دفتر المدرسة والخبز، وبذلك سيّرت مداخيل تلك الدول لعسكرة الوطن، وتحويل المزارع والمصانع المؤممة وحتى وسائل الإعلام، إلى نمط شرقي يستلهم أساليبه من الدولة السوفييتية، أو منظومتها الأخرى في أوروبا الشرقية، والعالم الثالث، حتى أن زعامات في تلك القارات يختزل الوطن وعالمه بشخصه هذه العبقرية القيادية..

هزيمة 1967ليست ذكرى سيئة لو حدث تقييم لكل المراحل التي سبقتها، والتي جاءت بعدها، لكن تناسيها أو تبريرها بعكس واقعها وزلزالها الكبير أدى إلى فقدان الأمل والبحث عن بديل، والأصعب من ذلك أن الذين خططوا لتلك المعركة، أو نفذوها، أو شهودها البعيدين عن أسرارها، تناقضت رواياتهم، فمن يتهم الآخرين بالتقصير، إلى من يراها مؤامرة دولية تآخى فيها الشرق الممون للسلاح والعتاد، مع الغرب المساند لإسرائيل والباحث عن هزيمة العرب، إلى طرف ثالث وهو الصوت الخافت مَن رأى المسألة عكس ذلك كله، أي أن نقص الاستعداد جاء تربوياً وثقافياً، ونقصاً في التدريب، وميوعة في القيادة أمام المهمات الصعبة، واعتبرها باختصار شديد هزيمة "حضارية وتقنية" وهي صحيحة إلى حد بعيد..

توالي أحداث الهزيمة جاء ببدائل أكثر قسوة، وأحياناً أكثر هروباً من الواقع، حتى أن انتشار الخرافة برؤية العذراء في إحدى الكنائس، وتكاثر الأحلام الساخطة والمبشرة بانتصار جديد، أو تلهية الشعب العربي بجعل الماضي السلاح الأهم في خلق "كبرياء التاريخ" وعودته، أدت إلى ردود أفعال سيئة، فقد ذهب اليساري إلى اليمين، وعاكسه الآخر بالذهاب إلى التطرف اليساري، وفي هذه الفوضى العامة جاءت المنظمات الإرهابية لتختصر الزمن ببعث جديد، فكانت الحروب الأهلية، والغزو الخارجي، والدعوة إلى أممية إسلامية تبني أفكارها ومنطلقاتها على مبدأ الكفر والإيمان، والولاء والبراء، فصرنا الضحية في الموت على أرضنا والتشفي منا على مساحة العالم كله، وكانت الكارثة التي لا نعلم متى سنشفى منها.