وجه الجنرال الأميركي ريكاردو سانشيز القائد السابق لقوات التحالف في العراق صفعة قوية للمشروع الأميركي في العراق. وأكد في حكم قاطع وواضح أن على أميركا أن تنسى إمكان تحقيق النصر في العراق. وأضاف أنها قد تتمكن من الافلات من الهزيمة إذا ما سارت الأمور منذ الآن على النحو الصحيح سياسيا واقتصاديا, وإذا ماتسنى وجود قيادة عراقية جديدة.
وتكمن أهمية توصيف الجنرال سانشيز الوضع الراهن في العراق, في أن الجنرال هو الذي قاد قوات التحالف في خلال السنة الأولى من الاحتلال الأميركي للعراق, ولم يراوغ الجنرال ويحمل الآخرين وحدهم مسئولية الفشل الأميركي, وإنما اعترف بأنه شخصيا ارتكب أخطاء في العراق.
ومما لا جدال فيه أن الأخطاء الفادحة التي ارتكبتها قوات الاحتلال في العراق تندرج تحت اخفاق واشنطن في وضع استراتيجية لإدارة الأوضاع العراقية في مرحلة ما بعد الغزو والاحتلال.. وثمة إجماع في الرأي بين الخبراء العسكريين والمحللين السياسيين على أن القرارات الخاطئة التي اتخذتها سلطة الاحتلال الأميركي في العراق قد أدت إلى تدهور الأوضاع الأمنية, وأفضت إلى الفتنة الطائفية عندما جرى مع سبق الاصرار والترصد إقصاء السنة عن المعادلة السياسية.
وقد أدركت الإدارة الأميركية, بعد فوات الأوان الفشل الجسيم لممارستها في فترة مابعد غزو العراق واحتلاله.. ومن ثم تحاول منذ شهور مراجعة مواقفها السابقة وإن كانت لم تعترف صراحة بفشلها. وليس أدل على ذلك من جهود واشنطن لتحقيق المصالحة الوطنية في العراق, بما ينطوي عليه ذلك من العودة إلى تصحيح المعادلة السياسية التي شابها الاختلال باستبعاد السنة, وكان هذا ما أعلنه بوضوح وزير الدفاع الأميركي جيتس إبان زيارته الأخيرة لبغداد, فقد دعا إلى ضرورة مد يد التعاون للسنة.
وأيا ما كان الأمر, فإن الدعوة للمصالحة الوطنية انطلقت عندما صار الانفلات الأمني في العراق جامحا, وتعثرت الخطة الأمنية الأميركية ـ العراقية التي بدأ تنفيذها في فبراير الماضي لاقرار الأمن في بغداد وضواحيها. وهي خطة تدخل الآن بأمتياز النفق المظلم للفشل.
وثمة حديث يتواتر في واشنطن عن إمكان تقويم الخطة الأمنية في سبتمبر المقبل. غير أن صحيفة نيويورك تايمز كشفت أمس عن أن تقريرا للجيش الأميركي أوضح أن تعزيزات الجيش لم تحقق الجزء الأكبر من هدفها في بغداد ونسبت إلى قائد عسكري أميركي في العراق قوله: إن العملية في نقطة صعبة الآن.
وهكذا بات الفشل العسكري الأميركي ماثلا في العراق, ومن ثم فإن انعكاساته كانت ولاتزال فادحة في اشاعة الاضطراب الذي يقترب من تخوم الفوضى في منطقة الشرق الأوسط.
ولم يعد ممكنا أن تستمر المغامرة العسكرية الأميركية في العراق.. حتى لا تغرق المنطقة في مستنقعات الفوضي الشاملة.. ولهذا فإن الأمر يستدعي لتدارك هذه الأوضاع المأساوية التي تنذر بمخاطر جمة أن تتضافر الجهود الإقليمية والدولية لحل المشكلة العراقية, والتوصل إلي توافق في الرأي علي تحقيق المصالحة الوطنية, واقتران ذلك بجدول زمني لانسحاب قوات الاحتلال الأميركي من العراق.
