يمكننا القول إذا أردنا وصف حالة المشهد العربي الراهن بأنه متدهور ويعيش حالة من الخطر والتهديد لا مثيل لها من قبل. فالتفكك بجميع أنواعه يستشري في أوصال العالم العربي ويتجذر فيه يوماً بعد يوم. والقضية الفلسطينية التي تعد محور جميع القضايا الراهنة في العالم العربي ما زالت منذ قرابة الستين عاماً كما هي، والصراع يحتدم يومياً بين العرب وإسرائيل رغم مرور هذه السنين العديدة وللأسف لا توجد هناك نتيجة تذكر أو على الأقل تبشر بالتفاؤل أو الخير، كذلك هو الأمر ـ إن لم يكن بأسوأ ـ في العراق فهو أيضاً يعيش كابوساً من العنف والتدمير جعل العراقيين يكابدون ليل نهار من أجل التخلص من هذا الجحيم القاسي.
والحالة اللبنانية ليست ببعيدة عما يحصل في العراق وفلسطين، فالاحتقان السياسي بين اللبنانيين ما زال يشتد بين الحين والآخر. وإذا ما نظرنا إلى جنوب خارطة الوطن العربي فإننا نجد الصراع على السلطة وأعمال العنف والقتل تظهر لنا بصورةٍ واضحة في الصومال والسودان، وغيرها الكثير والكثير من المعضلات والمصائب التي يعاني منها عالمنا العربي.
وفي ظل هذا التردي الذي يمر به الوطن العربي يأتي انعقاد مؤتمر هام بأحد مراكز البحث والدراسات العربية على مدى يومين في مدينة الشارقة بعنوان: «استعادة الوعي العربي» والذي يحمل على عاتقة مهمة كبيرة ونبيلة تتبلور في مناقشة المشهد العربي الراهن بابعاده المختلفة على يد كوكبة من المفكرين والباحثين العرب الذين جاءت مشاركتهم تلبية لحاجة ضرورية وملحة في زمنٍ أصبح التهميش هو قدر العرب المحتوم.
وفي ثنايا المؤتمر تم عرض ومناقشة أربع أوراق عمل مهمة حملت في طياتها ابعاد المشهد العربي الراهن. وفي إحدى أوراق المؤتمر تمت مناقشة مسألة تدهور المشهد العربي من عدة جوانب، فيقول معد الورقة إن هناك خوفاً يسود المشهد العربي الراهن نتيجة الهيمنة المفروضة من الخارج عليه، وهذا بطبيعة الحال انعكاس لخوف متولد لدى القوى الخارجية صاحبة الهيمنة التي تحكم النظام الدولي الجديد من بعض القضايا الدولية التي تهمها بصورة مباشرة وتؤثر على مصالحها الحيوية في العالم.
وفي واقع الأمر أعتقد أن هناك خوفاً يسكن أركان المشهد العربي الراهن، وهذا الخوف لا يأتي من جانبٍ واحد بل يتصل أيضاً بجوانب أخرى منها السياسي والاقتصادي... وكما هو معروف فالخوف لا يأتي من فراغ فهو يتشكل نتيجة سبب أو أسباب معينة. وفي تصوري أن الخوف الذي يشوب المشهد العربي هو خوفٌ مزدوج. وهذه الإزدواجية آتية من داخل المشهد العربي ذاته والذي يتعلق بالمشاكل والمعضلات الداخلية مثل:
الفتنة الطائفية، الانقسام السياسي، أما الجزء الآخر من الخوف فهو قادم من خارج المشهد العربي مثل: الهيمنة، التدخل الخارجي، والذي يمثل هاجساً يقلق ويربك المشهد العربي بمجملة. ونتيجةً للهيمنة المفروضة على أقطار العالم العربي ونتيجة لضعف الموقف العربي في مسألة التصدي لهذه الهيمنة، فإن ذلك قد ولد موجة من الكراهية والغضب سادت جميع فئات العالم العربي والتي تحمل في طياتها فكرة إقصاء الآخر والتي تم إدراجها لدى البعض ضمن منظومة متطلبات النهضة العربية.
وبكلمةٍ أخرى يعتقد البعض ان الوعي العربي أو النهوض العربي لن يقوم أبداً إلا من خلال تدمير الآخر وإقصائه بالرغم من وجود فرص تمكننا من التعاطي مع الآخر ومواجهته بطرق أخرى قد تتمثل في الحوار أو غيره قد تجعلنا نختلف أو نتفق مع هذا الآخر ولكن يجب أن لا تقوم على إقصائه وتدميره لأن هذا لن يأتي بنتيجة أفضل بل سيجلب الضرر لكلا الطرفين.
وقد تناول المشاركون أيضاً المشهد العربي الراهن المليء بالتناقضات وخاصة في مجال القيم، فالعالم العربي اليوم يشهد مرحلة تدين غير مسبوقة. وبالمقابل نجد أن هنالك أيضاً انتشاراً للخلاعة وثقافة العري والفساد أيضاً في نفس المنطقة. إن هذه المفارقة مثيرةٌ للعجب حقاً، وإن هذا التناقض قد يعطينا مدلولاً على تخبط المنطقة ليس على الصعيد السياسي والأمني والاقتصادي فقط بل يصل تأثيره حتى على صعيدها القيمي أيضاً.
وفي إحدى جلسات المؤتمر تم التطرق إلى قيام صحوة للهويات منها الهوية العظمى والهوية الدنيا على حد تعبير معد الورقة، بمعنى أن هناك انتشاراً للصحوة العظمى التي تتمثل في الصحوة الدينية فهناك تمسك بالهوية الدينية أو المذهبية بشكلٍ ملحوظ وهذا يتبين لنا في حالة العراق التي تعاني بشكلٍ واضح من مسألة تأزم الهويات. أما الهوية الدنيا وهي التي تتمثل في الهوية العرقية فهي كذلك منتشرة في كثيرٍ من أقطار الوطن العربي. ومن الصحوات المتنوعة في عالمنا العربي هناك صحوة كذلك منتشرة تمثل الجانب الإيجابي ضمن كل ما يحدث من أمور سلبية محبطة وهي صحوة المقاومة العربية فالكل يقاوم سواء أكان على مستوى الجماعات أم الأفراد.
إن التأزم السياسي الذي يطغى بصورة كبيرة على المشهد العربي الراهن يمكن ملاحظته من خلال قراءة واقع العلاقات العربية ـ العربية التي يحفل تاريخها وخاصة في هذا الزمن بكثير من الخلافات والنزاعات التي لا تساهم إلا في تفكيك وتقسيم دول العالم العربي التي كانت في يومٍ من الأيام حزمة عربية واحدة جغرافياً وثقافياً وسياسياً.
إن حالة التدهور التي يمر بها مشهدنا العربي يستوجب بالضرورة استعادة الوعي العربي وخاصة السياسي منه، وهو الذي يكمن في سيطرة الأمة على زمام الأمور في العالم العربي ومعرفة كيفية إدارة الأزمات والصراعات المشتعلة من نفسها بعيداً عن التدخلات والإملاءات الخارجية. فالعالم العربي وخاصةً في مشهده المعاصر مليء بكثير من الصراعات والنزاعات التي تشكل في مجملها أزمة حقيقية يجب إدارتها بشكلٍ صحيح وسليم.
ناهيك عن الطبيعة المختلفة لهذه الصراعات، التي استمر بعضها أكثر من ستين عاماً ومازال مستمراً، ومنها ما هو بين الأشقاء والجيران. وكلها تقريباً صراعات ذات طابع معقد ومتشابك كل التشابك تسهم في إضعاف العالم العربي ككتلة واحدة. والشاهد في الأمر أن مجمل هذه الصراعات لا يمكن حلها في يوم أو ليلة، لكنه بالمقابل لابد من وجود وعي سياسي عربي بخطورة ملفات الصراع المتواجدة على الساحة العربية بقوة، وهذا يتطلب إدراكاً لضرورة إغلاق هذه الملفات سلمياً.
يتسم الواقع العربي بحالة خطيرة من الاضطراب فهو عبر هذه السنين التي خلت لم يعرف الاستقرار والسلم في جميع أرجاء رقعته الجغرافية الممتدة من الشرق إلى الغرب، وهذا الاضطراب ولّد تعقيداً يزداد تشابكاً في معطياته ومتغيراته المرتبطة بالعالم العربي على مختلف الصعد الذي يشكل بالتالي صعوبة عند محاولة فهم الواقع العربي.
وبالنسبة للجانب السياسي المتعلق بالواقع العربي فإنه من المهم قراءة وتحليل المشهد الحالي مع التركيز على أسباب التدهور العربي، فمن أجل فهم الواقع السياسي المعاصر في العالم العربي لابد من قراءة عوامل التقسيم والفتنة والتي تتجلى لنا في «ثلاثية الهوية» إذا جاز التعبير والتي تنص على تشريح الهوية الوطنية العربية الإسلامية الواحدة إلى ثلاث هويات متناثرة ومنقسمة على نفسها (الطائفة، المذهب، العرق) .
وهي التي تبرز لنا في الأحداث السياسية المعاصرة في لبنان والعراق، ففي كلا البلدين تطغى «ثلاثية الهوية» التي تلتف كل واحدةٍ منها على نفسها وتنظر إلى الهوية الأخرى بصورة عدائية وتتبنى إقصاء الآخر المختلف سواء أكان في المذهب أم العرق أو الطائفة. الأمر الذي جعل الصراعات السياسية الحديثة الآن تتخذ الطائفية بعداً حديثاً لها في إدارة جولات الصراع.
في حقيقة الأمر لا أريد أن أرسم صورة قاتمة سوداء للمشهد العربي الراهن لكن قراءة المعطيات الحالية هي التي تدل على خطورة الوضع الذي يعيشه العالم العربي، والملامح التي تجعلنا نشعر بهذا الهاجس الخطير قد تتبلور في تصوري بالنقاط الآتية:
(1) إن المشهد العربي الراهن يعاني من اضطرابات في الحصول على الاستقرار الأمني والسياسي وهو ما تعاني منه بعض البلدان العربية الأمر الذي يعتبر عقبة أساسية في طريق التنمية السياسية والاقتصادية.
(2) في ظل الأوضاع التي يعيشها المشهد العربي الراهن فإن هناك حالة من الإحباط وخيبة الأمل منتشرة في أوساط الشارع العربي، وأعتقد أن هذه الحالة أصبحت ملموسة بصورة واضحة نتيجة التدهور العربي وعدم قدرة العرب على إيجاد حلول جذرية لكثير من الملفات السياسية المطروحة على الساحة، بل أصبحت القضايا تتراكم واحدة تلو الأخرى دون إيجاد حل؛ الأمر الذي ساهم في انتشار موجة من التشاؤم نحو المستقبل ورسم صورة غير مزدهرة للمشهد العربي المستقبلي.
(3) من خلال ما حدث في العقود الأخيرة من صراعات وحروب ونزاعات بينية يكون المتخاصمون فيها عرباً ومن بني جلدةٍ واحدة. وهذا يدلنا على وجود رغبة شديدة في الصدام العسكري في العالم العربي بالرغم من وجود آليات أخرى كثير لحل الصراعات السياسية منها الدبلوماسية أو أي آلية سلمية أخرى إلا أنه في العالم العربي لا يتم الالتفات إليها بل يكون الخيار العسكري هو سيد الموقف عند تأزم المواقف، وجميع الحلول الأخرى لا جدوى من اختيارها ولا فاعلية لها.
(4) لم يكن انتشار الطائفية يملك كل هذا الرواج السياسي والإعلامي في عالمنا العربي منذ عقودٍ سابقة، وكانت أسهم الطائفية مرتفعة بصورة كبيرة أثناء الحرب الأهلية في لبنان عام 1975. لكنها في وقتنا الحالي أصبحت أشهر من نارٍ على علم. ليس هذا فحسب بل إنها أصبحت أكثر انتشارها في الشارع العربي بعد غزو العراق وأصبح كثيرٌ من الناس يتأثر بما يحدث من انتشار طائفي، ويتعصب للطائفة أو المذهب أو العرق الذي ينتمي له وهذه من دون مبالغة فتنةٌ ما بعدها فتنة، وخطرٌ يجب اجتثاثة من جسد الوطن العربي.
(5) نتيجة وجود صراعات مزمنة في المنطقة العربية وعدم وجود حلول تساهم في حلها، ونتيجةً لعدم وجود موقف قوي واضح وصريح في السياسة العربية المعاصرة تجاه كثيرٍ من القضايا المصيرية التي تتعلق بحاضر ومستقبل العالم العربي كل هذا ولّد إحساساً بالعجز والدونية في الشارع العربي، فهذا الشعور ناتج بالأساس عن انعكاس ضعف الموقف العربي تجاه الهيمنة المفروضة وعدم القدرة على مواجهة كثير من التحديات الخارجية المصاحبة لها، فعند مواجهة الآخر الغربي مثلاً يظهر هذا الشعور نتيجة القصور العلمي أو التخلف العربي بصورةٍ عامة.
كاتب وباحث في العلوم السياسية