يحق لنا نحن الذين بلغنا العقد السادس من عمرنا أن نتحدث عن النكبتين ومدى تأثيرهما على الذاكرة العربية لجيلنا ومدى العلاقة بين التجربتين والفاصل الزمني الذي فرض متغيرات كثيرة جرت من تحت جسورها مياه عميقة وكثيرة، فنحن لن ندخل في النهر مرتين كما يحب أن يقول فلاسفة الإغريق وإنما بمرات كثيرة وكلها مياه مأساوية لنهرنا العربي. ويحق لنا أن نربط تجاربنا مع مقارنة بجيل جديد ذاكرته بعيدة كل البعد عن النكبتين أو الهزيمتين.

من هنا ينبغي تسليط الضوء على تلك المرحلة بهدوء لكي لا نحمّل الأجيال مسؤولية إخفاقاتنا وهزائمنا فكل جيل معني بمنجزاته ومرحلته فكما هم الأبناء غير الآباء كما يود تورغينيف أن يكتب عن جيلين متناقضين ومختلفين ولكنهما ليسا أعداء، بقدر ما هم الأبناء المختلفون مع الآباء.

ولهم الحق أن يعيشوا زمنهم وينغمسوا بهمومهم ومشاكلهم ونظرتهم للحياة والمستقبل، وعليهم أن يخرجوا من عبء الموروث الثقافي المشحون بروايات النوستولوجيا التي اسميها شخصيا « نوستالجيا الخيبة الجميلة » إذ لا يوجد جيل إلا ويرى نفسه بطلا لمرحلته دون محاولتنا لبترها عن سياقها التاريخي بعلتها ومعلولها ودون فصلها بصورة تعسفية.

دعونا قليلا نتصفح ذاكرة جيلنا بحلقاته المتداخلة ففي كل عقد من العقود الستة ولدت ظواهر كان لها التأثير البليغ في مساراتنا السياسية الفكرية والاقتصادية ومن ثمة الحياتية والثقافية كمحصلة طبيعية لذلك الثالوث. انطلاقا من تجربته عربيا بحرينيا، والتي هي جزء من تماس خليجي وعربي. لقد رضعنا كما يقال حليبنا مع نكبة عام 48 وقد كانت البحرين لتوها خارجة من كساد الحرب العالمية الثانية، فلم تنعم عملية التنمية الداخلية في ظل الاستعمار بخطوة واحدة نحو الأفضل.

هذا المناخ العام دوليا وعربيا افرز توترا داخليا كان من نتائجه الإضراب الواسع في شركة النفط والحرائق التي طالت بيوت اليهود، والتي كشفت بعض الوثائق أنها لعبة بريطانية لدفع اليهود للهجرة ومن جانب آخر إبعاد الضوء عن تهمة بريطانيا التي كان لها يد طولى في وعد بلفور. فسقط شعبنا المتعاطف مع القضية القومية المركزية منذ لحظتها في فخ أعمق من قدرته على استيعاب اللعبة.

في هذا الخضم والحراك جاء عبد الناصر فلم نستوعب في طفولتنا الغضة صورته ولكننا في عمر الثامنة عرفنا حكاية صغيرة اسمها « قنال» السويس وحرب السويس بوعي طفولي فالكبار كانوا يهتفون « عبدالناصر يا جمال يا محرر القنال » حيث بدأت منذ تلك اللحظة تنمو الشاعرية الشعرية للسياسة في رمزية الهتافات، وكل مسألة داخلية سترتبط بقضية مركزية عربية وستصبح مصر وعبد الناصر هما المحور الذي تتحرك حوله كل السياسات والقضايا وسيصبح عبد الناصر ومصر هما المركز فمن خلال تلك العملية السياسية ارتبطت حركة الهيئة في البحرين وقيادتها به فشهدت كل الأحياء والقرى التفافا مناهضا للعدوان على مصر.

بل وصارت الأحياء الصغيرة تتظاهر كمبادرة ذاتية بسبب المناخ الداخلي والعربي وتلبية لدعوة قيادة الهيئة فشهدنا من خلف البحر على الجسر المؤدي من المنامة إلى المحرق الرجال الكبار يهتفون وحرائق تشتعل، وشهدنا سيارات الانجليز تدخل الأحياء ففرحنا بطفولتنا فقد وجدنا لعبة جديدة اسمها الأحجار والاختفاء. وردّدنا خلف الكبار مفردات لا نفهم معناها « موليه.. موليه يسقط موليه » « ايدن.. ايدن يسقط ايدن » ولم يهمنا بالضبط رقمهما الكروي ودورهما السينمائي، وليكن من يكن موليه وإيدن المهم أنهما عدوان لمصر ومن المعتدين على قداسة المركز وقائدها وشعبها.

في عصر المذياع كان الشعب دون استثناء يتعاطف وجدانيا « بالمقدسات السياسية » فيومها شكلت الثقافة المصرية مصدر الإلهام، فمن ثقافة البعثة التعليمية المصرية والعربية المتأثرة بفكر الثورة والمجلات التي تنفد قبل صلاة يوم الجمعة روز اليوسف والمصور وآخر ساعة والأهرام، كان الوعي الجنيني لطفولتنا السياسية يتشكل.

لحظتها لم يهدأ الشارع العربي ولم يهدأ المذياع والخطاب السياسي، ولم تتوقف الحركات السياسية عن مشاغبتها للأجنبي، فنمت عيوننا وذاكرتنا الصغيرة على الحكايات الخرافية للثورة، فمن بإمكانه أن يغيب تلك الليلة عن المقهى والدكان، متسمرا فوق المقاعد الخشبية الرطبة، ففي هذه الليلة سيخطب جمال كأنها البرازيل تلعب هذا المساء!! وكان على الكبار أن يزينوا بيوتنا بصوره ويسمون أولادهم بجمال وخالد.

يا لهيمنة الكاريزما والمشروع العربي الكبير على حلمنا الطلابي. فيومها لم تهدأ مدارسنا ولا شوارعنا العربية عن تظاهرات التأييد، فثورة في العراق وحرب على الانجليز في جبال ردفان، وهنا ثورة في الجزائر وانقلاب في اليمن والسودان وهناك وحدة عربية ثنائية وثلاثية، وقائد يخطب ليلا ونهارا بعد أن اكتشف في حرب السويس ان العرب باتوا مركز العالم وان قضيته عالمية. فهل نستغرب ولادة مؤتمر باندونغ؟! إن لم يكن نتيجة طبيعية لمرحلة متفجرة. كبرت مفرداتنا السياسية في أول الستينات وسعدنا بشاشة بيضاء وثورة تقنية منحتنا سحرا جديدا غير المذياع واتساعا في الأفلام والأقلام وصعود الإنسان إلى القمر، ولكن ظل الفارس والمركز واحدا عجزت كل الدول العربية عن منافسته، وعجزت دول العالم عن إسقاطه. وفي الوقت الذي كان شارعنا في الخليج يهتف كانت القامشلي والقاهرة ترد في تناغم وكانت الدار البيضاء تهتف هتافا واحدا « من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر.. لبيك عبد الناصر » فارتعدت فرائص الغزاة القدماء والجدد والكيانات التي لم تترسخ فبدأت جولة من التآمر والحروب الباردة عربيا وعالميا.

من ذلك الحلم كنا نمضغ مشاعرنا ونعصر قلوبنا المتوقدة، وبنفس حالة العمق العاطفي للحلم كان رد فعل الانكسار في 67 عندما لم يهدر الشارع من الخليج إلى المحيط إلا في اتجاه الدهشة بسؤال كبير لم يتم فك مغاليقه كلها. كيف انهزمنا في حرب مدتها ستة أيام كيف انهزم عبد الناصر ومصر؟!

كنت كغيري من الشباب العربي في ريعان الصبا حائرا وغاضبا بحجم الكارثة، ورغم ذلك خرجنا تنديدا وحزنا ثم أعدنا الكرة في العام الثاني 68 احتفالا بذكرى النكبة / الهزيمة، ودعهم يتفلسفون الساسة الكبار في التسميات والتنظير فشاب مثلي يومها لم يهتم كثيرا بمعنى هزيمتنا، نكستنا أو نكبتنا لا يهم المعنى اللغوي، المهم يومها كجيفارا أعجبتني ثورية التنظير، بأن هزيمتنا ناتجة عن أزمة في القيادة العربية وتذبذب في فكر البرجوازية الصغيرة!

لم نبلع الأمواس وحدها وحسب بل ولم ننس حد السكين في الخاصرة العربية عند جيل شاب مثلي. في هذه الفترة من ثورة الستينات الممتلئة بمواليد قادمة كان الموت عند باب السبعينات ينتظر متخفيا ليسلبنا المركز والكاريزما، ففاجأتنا وفاة عبد الناصر فكانت اشد إيلاما وانكسارا من النكبتين. منذ تلك اللحظة بدأنا نتخبط وبدأ الجيل المولود في 67 بذاكرة مختلفة في زمن مختلف.

كاتب بحريني