تحدثنا في مقال الأمس عن أخطار تحدق بالوطن وأهله بسبب أخطاء وجوانب تقصير تبدر من الشركات السياحية والقائمين عليها في الدولة. وقلنا إن بعض البرامج السياحية التي تقدم للزوار والسائحين تقدم حقائق مغلوطة عن تراث وثقافة البلد لدرجة وصل الأمر فيها إلى اعتقاد بعض السائحين أن الرقص الشرقي والشيشة وما إلى ذلك هي من صميم ثقافة دولة الإمارات!
منذ ثلاثة أسابيع اختارت أسرة إماراتية قضاء أيام الإجازة الأسبوعية في فندق حصن حتا، وبينما هم جالسون بالقرب من حوض السباحة إذا بوفد سياحي أوروبي في أكثر من عشر سيارات للدفع الرباعي يتوقفون للاستجمام قليلا. وكان المرشد السياحي الآسيوي المرافق يناقش احد هؤلاء السياح. السائح الأوروبي كان يتساءل عن عدم نظافة الصحراء ووجود الفضلات فيها. فسر الآسيوي ذلك وقال بالحرف الواحد إن المواطنين البدو لا يعرفون كيف ينظفون الأماكن التي يقيمون فيها قبل تركهم لها وان كل تلك الفضلات هي مخلفاتهم!
تدخّل احد أفراد الأسرة المواطنة بشكل سريع وكأنه من قوات الطوارئ. قال المواطن للسائح إن هذا الكلام به مغالطة كبيرة. وقال له المواطن: انتم وفد سياحي يتوزع في عشر سيارات. هل حرصت الشركة السياحية التي تقلكم على جمع المخلفات بعد ترك الأماكن التي توقفتم فيها، فأجاب السائح بصراحة: لا لم أر ذلك. فقال له المواطن: إن من يقوم بتلويث الصحراء هم السياح والشركات التي تقلكم وليسوا المواطنين البدو كما يدّعي هذا الآسيوي.
الشاهد في هذه الحكاية أيضا أن الشركات السياحية تسرح وتمرح دون أنظمة مشددة تمارس عليها ودون غرامات تفرض عليها بسبب هذه المخلفات التي عندما ننظر إليها في الصحراء نجد أنها لا تمت للبدو بصلة، بل هي مخلفات السائحين.
الشاهد في هذه الحكاية أننا نقول لولا وجود هذه الأسرة المواطنة وحرصها على تصحيح مجرى الحوار لذهب السائح وهو يعتقد بأننا نلوث بيئتنا ولا نكترث بذلك، والسبب مرشد سياحي لا يكترث للبلد كما يكترث له أبناؤه. إن ترك السائحين مع هؤلاء المرشدين غير المدربين وغير الحريصين على نقل الحقائق كما ينبغي خطأ فادح في حق أنفسنا وفي حق وطننا.
إن نجاح السياحة وبرامجها لا يكمن في ملايين نستقطبها للسياحة في البلد، وليس في ملايين من الدراهم نجنيها من وراء زياراتهم، لكن نجاح السياحة مرهون أيضاً بقدرتنا على توصيل الصورة الحقيقية للبلد لهذا السائح على أيدي أفراد حريصين ومخلصين على تأدية ذلك.
وبما أننا مقبلون على طفرة في المشاريع السياحية والاستثمارية فإن الواقع والحاجة يتطلبان أن تقوم الجهات السياحية في الدولة بمبادرات وبوضع خطط واستراتيجيات وقوانين ولوائح تقنن العمل السياحي وبرامجه، بالإضافة إلى التركيز على التوطين في مجال الإرشاد السياحي بشكل جدي باعتبار أن المرشد السياحي هو واجهة للبلد والأقرب إليه والأصدق في التعبير عنه. هذا ما نأمله وما نرجو أن نسمع عنه قريباً.
