الذين لا يستطيعون الحصول على مساحة بسيطة في صحف بلادهم، صاروا أكثر حرية في إيصال ما يرونه لأكبر قاعدة جماهيرية حتى الصحف نفسها تعجز أحياناً عن تحقيق انتشارها، الصحف مازالت رصينة محترمة، لها قراؤها المعتادون الذين لا يشعرون بمتعة القراءة إلا إذا لامست أصابعهم صفحات الصحيفة، لكن هؤلاء القراء المرتبطين بصحفهم والأوفياء لكتابهم سيصبحون شيئاً من آثار الماضي ذات يوم، وحتى الكتّاب لن يعيدوا أسطورة محمد حسنين هيكل القابع أستاذاً على عرش الصحافة حتى بعد رحيله عنها منذ السبعينات كرئيس تحرير لأكبر الصحف المصرية. هناك إرث متراكم في صحافتنا العربية والخليجية لابد من مراجعته بموضوعية ولعل أول الميراث هو الحرية.
قلت في مقال الأمس إن الحرية ـ حتى حرية الرأي ـ صارت تكال بمكيالين، فللصحافة الالكترونية معياران وللمكتوبة الربع وربما أقل، فقياساً لما تحتويه المدونات والمواقع الشخصية هناك بون شاسع، يقول القارئ مصطفى رداً على مقال الأمس، إنه لا فائدة من حرية الصحافة طالما لا تتوافر لدينا التنظيمات والأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني المستقلة، ربما نحتاج إلى مؤسسات مجتمع مستقلة فعلاً، لكنني أنظر إلى الأحزاب والتنظيمات بحذر شديد قياساً إلى مجمل التجربة العربية السياسية في هذا الإطار، فلم تؤد هذه الأحزاب إلا إلى الخراب، وهنا فأنا لست ضد فكرة حرية الرأي أو التعددية، لكننا في عالمنا العربي محصنون على ما يبدو ضد الحرية وضد الاستقلالية!!
وعدتكم أن نتصفح أحد المواقع الإماراتية التي أجدها من وجهة نظري تلامس سقفاً عالياً في مسألة حرية الرأي والتعبير، حيث يحوي الموقع أسماء عديدة لشباب وفتيات من الإمارات يتبادلون الجدل والحوار والنقاش ضمن فضاء بلا حدود من الحرية في التطرق لأكثر المواضيع حساسية وإشكالاً، انه موقع «مجان» .
وعنوانه الالكتروني (www.majan.net)، هناك أسماء معظمها مستعارة لأشخاص يمتلكون مواهب رفيعة المستوى في كتابة الرأي والكتابة بشكل لاذع وبشكل ساخر، وبشكل تحليلي ناقد، وبكل الأشكال التي يتنوع تحتها كتّاب الرأي والتي يعجز بعض كتّاب الصحف اليومية أن يجيدوها برغم المساحات التي تفرد لهم والإمكانات التي توضع في خدمتهم!
أتصفح موقع مجان، فأقرأ نقداً مباشراً لانتخابات المجلس الوطني ومرشحيه ومرشحاته، وعن مؤسسة اتصالات، وعن مديري الدوائر الذين يشبهون الديناصورات وعن الإعلام الفاشل، ومقاربة عميقة لمعالجة معضلة التركيبة السكانية و.... ما يجعلني أشعر بالقهر تجاه موقع مجان، ان بعضاً من أفضل من يكتب في الموقع ما زال يكتب باسم مستعار.. وصفة التفضيل «أفضل» هنا أقصد بها ما يتعلق بالتحليل والقراءة النقدية الرصينة والمنطقية.
موقع مجان الإلكتروني، كموقع إماراتي يتداول فيه شباب إماراتيون الرأي في ما يتعلق بقضاياهم المحلية، هو أكثر من ممتاز.. ولو كان لي رأي وقرار لجعلته جريدة ورقية أو مجلة في متناول الجميع.. أو لحولته إلى مجلة الكترونية قوية وفاعلة ذات تأثير وانتشار، ولكن بشيء من الرعاية والتمويل.. والاستقلالية!
