من المتورط بالآخر، أميركا مع العالم، أم العكس، وهل في نطاق التهدئة وحل الإشكالات ما يفيد بأن الرحلة الكونية تذهب إلى التوتر بدلاً من الاستقرار، وحماية الإنسان وبيئته من الانهيار؟..

سعت أمريكا أن تكون المحرك الوحيد للآلة الاقتصادية والعسكرية في العالم، وتحول هذا الهوس إلى سياسة قابلة للتنفيذ باعتبارها القدرة الوحيدة التي لديها إمكانات الهيمنة بوسائل متعددة، ولعل انتصارها في معركة البلقان الأخيرة، وانكشاف أوروبا بأنها ليس المعادل والبديل الذي يوازي قوتها، شجعها أن تغزو العراق، وأفغانستان تحت غطاء مطاردة الدكتاتورية.

والإرهاب وأسلحة الدمار الشامل وباتساع الفعل ورد الفعل جاء الخلاف مع أوروبا بسبب هاتين الحربين بأنها خارج التاريخ، قارة عجوز ودول قديمة، تديرها عقول كلاسيكية عفا عليها الزمن، لكن الحكمة الأوروبية تركت الأحداث تتجه مدركة أن الورطة أكبر من المكابرة، والركض خلف سراب القوة الغاشمة، وهنا بدأت النهايات تتجه إلى الفوضى القلقة بدلاً من الحرب الناعمة.

لم تكن الآثار خطأ يمكن تسويته بالضغط الدبلوماسي المتدرع بالقوة العسكرية، لكنه كارثة استراتيجية جاءت بنشوء خلايا الإرهاب في طول العالم الإسلامي، مقابل حرب سرية ضدهم من عالم خارجي، وحتى قول الرئيس بوش بأنها "حروب صليبية" وبابا الفاتيكان "بندكس" رأى ان الإسلام "لا يدين العنف، ويتضمن أفعالاً شريرة، وحتى انتشاره جاء بالسيف" وأكمل ضلع المربع حملة الرسوم "الكاريكاتورية" على الرسول الأعظم، وهي مسائل لا يمكن لدولة مسؤولة أو جهة دينية تحرك عالمها أن تضيف للمعارك فضاءً تنمو فيه الكراهية.

أميركا الجنوبية عاشت صدامها مع أميركا عندما استولت على أجزاء من المكسيك واحتلت بعض البلدان أو تحاربت معها بسبب المد اليساري، أو النظرة التي ترى فيها مجرد مزرعة خلفية، مما أجج القيادات الحديثة في إعادة النظام اليساري الذي أعلن حربه على أمريكا وبما يشبه صراع الأضداد في ذكريات الهيمنة التاريخية..

آسيا، كعادة شعوبها، وجدت الظرف الدولي الذي خلقته أميركا ووسعت دائرة الخصوم، فرصة للتحرك والتحول من دول العالم الثالث إلى الأول بقفزات سريعة، وحتى في الخلافات الأميركية مع روسيا، أو كوريا الشمالية، ومحاولة حشد أحلاف كالتقرب من الهند لتكون في مواجهة الصين، كانت تلك الأوراق وسائل ضغط على القيادة الأميركية، وهنا يعود السؤال من المتورط بالآخر، وكيف تتم التحولات من الحالات السلبية إلى الإيجابية؟

بريطانيا حكمت العالم لكنها ظلت تدير امبراطوريتها بعقلية ميكافيلية، حيث لم تصطدم مع المقدسات إلا بخطئها الشنيع حين تمكين الشتات اليهودي من احتلال فلسطين، وحتى حلولها بالتقسيم والوصاية الدولية كانت أكثر حكمة من أمريكا، وعندما شعرت باهتزاز نفوذها خرجت دون أن تخسر صداقاتها ومؤثراتها السياسية والثقافية مع دول "الكومنولث" وغيرها.

أميركا تتحمل مبدأ نشر الإرهاب، لأنها تصرفت بعقلية المنتصر بالحرب العالمية الثانية وأرادت تكرار التجربة في بلدان لا تصلح لها تلك التجارب، وفقدت حوارها الأميركي الجنوبي، وحيّدت أوروبا، وقفزت بآسيا من الظل إلى الضوء وصارت وحدها المتورط الخاسر.