إضافة إلى أشكال المنافسة التقليدية من أجل أسواق التصريف والوصول إلى الموارد وغيرها تظهر في ظل العولمة أشكال جديدة. أحدها المنافسة من أجل مكان أفضل للبلد المعني في سلاسل عولمة تشكيل قيمة السلع والخدمات. والشكل الآخر ـ المنافسة على الناس الذين يخلقون هذه القيم.
ويمكن مقاربة المشكلة بطريقتين رئيسيتين. الأولى، أن يسعى البلد المعني إلى أن تتوفر فيه ظروف أكثر ملاءمة لتموضع الحلقات الأكثر مرغوبة من سلاسل خلق القيمة المضافة. ولهذا يجب أن تتوفر الكوادر المناسبة والاستثمارات في البنية التحتية والنظم الضريبية الغاية في التساهل وغير ذلك. الثانية، أن يطرح تموضع هذه الحلقات محلياً كشرط لدخول الشركات متعددة الجنسيات إلى سوق هذا البلد أو الدخول مع شريك محلي.
لكل من المقاربتين أهميتها، لكن الثانية أثبتت جدواها الأكبر، خصوصاً بالنسبة للبلدان ذات الأسواق، الداخلية أو الإقليمية، الواسعة. هذه الميزة أعطت لعدد من البلدان قوة تفاوضية أمام الشركات متعددة الجنسيات. فلقد استطاعت الصين أن تحصل من جنرال موتورز موافقتها على أن تصبح الصين مقراً لمركزها البحثي العلمي وأعمالها الاختبارية التصميمية ونقل أحدث المبتكرات التكنولوجية كشرط لدخول الشركة إلى السوق الصينية. وقد استفادت الصين من تجربة اليابان التي شجعت على هذا الطريق قيام الشركات المشتركة خلال الفترة بين عامي 1962 و1974.
على أن هذه ليست فقط خاصة آسيوية، حيث تلعب الدولة دوراً ريادياً في الاقتصاد. ففي أوربا وأميركا الشمالية اتخذت مثل هذه المقاربات، خصوصاً في قطاع الخدمات التي لا تفرض قواعد منظمة التجارة العالمية عليها قيوداً محكمة للغاية. وفي الفترة الأخيرة شهدنا في منطقة الخليج قيام شركة هالبورتون النفطية الأميركية ليس بإدراج أسهمها في سوق دبي المالية فقط، بل ونقل مقرها الرئيسي إلى هناك.
وفي حال أي من المقاربتين المذكورتين تشكل المنافسة على الموارد البشرية مسألة في غاية الأهمية. وهي ترتبط في كل بلد بوضعه الديموغرافي وبخلق أفضل الظروف للاحتفاظ باختصاصييها المؤهلين وفي نفس الوقت اجتذاب المهاجرين «النوعيين». فالناس في زمن العولمة يصبحون «جزءا مكوناً» لها كالشركات.
وكما تتوزع إدارات الشركات وقدراتها الإنتاجية في دول مختلفة، كذلك يجزئ الإنسان المعاصر ذاته على هويات مختلفة ذات انتماءات وطنية مختلفة. أمعن النظر من حولك وستلاحظ مثلي: أحد الأقرباء نشأ في البحرين، درس في كندا ويعمل الآن في شركة متعددة للجنسيات في بريطانيا. وبالعكس، صديق بريطاني جاء للعمل في البحرين منذ عقود من السنوات، وبعد أن تكيف مع مجتمعها وعرف سوقها قرر البقاء للعمل فيها.
وأمثلة كثيرة أخرى تبين أن ظواهر الهجرة «من وإلى» البحرين أو دول الخليج الأخرى عملية موضوعية تشغلها العولمة فينا بشكل عفوي. هل ستستطيع بلداننا التعامل مع هذه الظاهرة بوعي لإخضاعها للمصالح الوطنية ؟ فتنشئ القاعدة الحقوقية والحوافز المادية الاقتصادية والظروف المعيشية واحترام حقوق الإنسان والمواطنة كي لا تنزف عقولنا إلى الخارج وتصب عقول الخارج إلينا؟ إنها مسألة اجتماعية اقتصادية ثقافية متداخلة، وذات طابع أيديولوجي أيضاً إذ تمس مستقبل الهوية الوطنية.
بالمقابل فإن للشركات متعددة الجنسيات أيديولوجياتها فيما يتعلق بعلاقتها بموظفيها المحليين. ولا علاقة للسياسة النابعة من ذلك بطبيعة عدوانية لهذه الشركات أو بالأخلاقيات عموماً. إن لدى أية شركة نزعتها للاحتفاظ بموظفيها والحيلولة دون تسربهم ليس بمغريات الرواتب وحدها. فذلك في نهاية المطاف سينعكس عبئاً على قدراتها التنافسية.
الوسائل الأقل كلفة هي التربية على الولاء للشركة وتمثل ثقافتها والاقتداء برموزها وتماهي أهداف الموظف الفردية مع أهدافها. لن تستخدم الشركات لا نشيدا وطنيا ولا مواعظ دينية، بل تخلق لذلك أجواء نخبوية ذات طبيعة وامتيازات خاصة وتنتدب موظفيها المحليين إلى بلدها الأم لفترات تساعد على تشرب الموظف لثقافة «المركز».
ذلك يصطدم برفض قوي في مجتمعات البلدان القليلة السكان، وخصوصا ذات المعتقد الديني الواحد والعادات والتقاليد الواحدة كبلدان الخليج. فهنا الكل يعرف الكل وتربط الكل بالكل وشائج قربى، فيصبح انسلاخ المواطن عن مجتمعه من أصعب وأعقد الأمور. ومع ذلك تنجح الشركات في حالات غير قليلة في إعادة تربية بعض موظفيها المحليين بالكامل، وفي حالات أخرى يتسمون بازدواجية التفكير والسلوك.
غير أن الشركات المتعددة للجنسيات تعي أن عوامل تماسك المجتمع تعمل لغير صالحها. وما دامت دول المنطقة لم تنجح في خلجنة قيادات فروع الشركات المتعددة للجنسيات فإن لدى الأجانب من الخبرات ما يمكنهم من التعامل مع الوضع. ولذلك تعمل الشركات فرادى أو مجتمعة على الخروج بنشاطها التربوي - الأيديولوجي من حدود شركاتها إلى فضاء المجتمع كله. وهي تجد في تشجيع انقسام المجتمع، بل وتصادمه طائفيا أداتها الفعالة لكسر ذلك التماسك. كما يصبح التوسع في التجنيس على أساس اجتذاب الأعداد والانتماءات وليس العقول أداة فعالة على هذا الطريق.
وعندما ترتقي هذه الوسيلة إلى مصاف السياسة الرسمية تصبح غاية في الخطورة. وقد «تنجح» في تحقيق أهداف سياسية غير واقعية وآنية معينة، إلا أنها على المستوى الأبعد ترتد على المجتمع والدولة ذاتها بعد أن تجد نفسها وقد استوردت أشكالاً جديدة للجريمة المنظمة وبؤرا محتملة للإرهاب وجيشا من العمالة غير الماهرة التي قد تنسف من الأساس كل جهود إصلاحات سوق العمل. في حين تكون قد «طردت» كوادرها الوطنية إلى الخارج،حيث الرعاية الأفضل. ويصعب تقدير الكلفة الاقتصادية الاجتماعية لذلك لكنها بالتأكيد عالية بما لا يقاس.
بهذه المعاني فإن السياسات الحالية لتنظيم الهجرة «من وإلى» لا تتسق وأهداف التنمية الحقيقية واحتلال المواقع الأفضل في سلاسل عولمة خلق القيم والارتفاع بمستوى ونوعية المواطن وكسب ولائه الوطني. وإذا لم يتم التعامل مع هذه المشكلة بسياسات واعية وهادفة فهي لن تختفي. ستختفي الهوية الوطنية.
كاتب بحريني