قبل أيام قررت منظمة المحاضرين البريطانيين، فرض مقاطعة أكاديمية على المؤسسات التعليمية الإسرائيلية. القرار اتخذته المنظمة، في مؤتمرها السنوي، بأغلبية 158 ضد 99 صوتاً. بالإضافة إلى المقاطعة حثت الهيئة على إعادة النظر في «الأبعاد الأخلاقية» للعلاقات مع دوائر أكاديمية في إسرائيل. وخلال المناقشات الحامية لجلسة التصويت، جرى تعريف إسرائيل بأنها دولة «ابارتايد»، تمييز عنصري؛ «تنفذ جرائم ضد البشرية» في الأراضي المحتلة.
موقف أو بالأحرى تطور، يأخذ أهميته من كونه صادرا عن مرجعية من هذا النوع، تتعامل مع الأمور على حقيقتها. المقاييس الاكاديمية صارمة. تسمي الأشياء بأسمائها. لا تقبل الانحياز ولا تتعاطى لغة السياسة، الملتوية. كما تنبع أهميته من حجم هذه المنظمة، التي تضم 120 ألف عضو؛ ومن موقعها المؤثر والموثوق. وهذا ما يفسر هرولة تل أبيب إلى تدارك الموضوع ومحاولة تطويق آثاره ومحاصرته. على الأقل لتقليص خسائره.
وزيرة الخارجية ليفني سارعت إلى ترتيب عقد جلسة خاصة، حكومية ـ أكاديمية؛ لتدارس الكيفية المطلوبة للرد على الأكاديميين البريطانيين. كما قامت جماعات إسرائيلية من اليمين المتشدد، وأطلقت الدعوة لمقاطعة البضائع البريطانية. ليفني فاتحت نظيرتها البريطانية بان إسرائيل تنظر بقلق إلى قرار المحاضرين، لأنه يتعارض مع العلاقات الجيدة القائمة بين البلدين. وتجدر الإشارة إلى ان منظمة العمال في جنوب افريقيا سبقت وقررت فرض مقاطعة اقتصادية ضد اسرائيل.
وبذلك يبدو وكأن هناك بداية صحوة، ولو متأخرة، لاستخدام سلاح المقاطعة ضد تل ابيب. لا يهم مدى تأثير هذه الخطوات في المدى القريب. فهي ليست رسمية ولا هي تطاول مصالح إسرائيلية مباشرة وحساسة في وضعها الراهن. المهم أن هذه الورقة نزلت إلى التداول وبالتحديد في بلد كبريطانيا وما لذلك من تأثير وقدرة على التمدد إلى قطاعات أخرى، كما إلى بلدان أوروبية أخرى.
في السابق كان مجرد التفكير بمثل هكذا مواقف وقرارات، من الممنوعات وكسر هذا المحظور يؤشر إلى أن الكيل بدأ يطفح مع قطاعات مهمة، إزاء ممارسات إسرائيل في الأراضي المحتلة. كما يؤشر إلى أن قدرات تل أبيب على التضليل وحجب الحقائق، من خلال الاستقواء بالماكينة الدعائية الإعلامية التي تملكها أو التي تتعاطف معها؛ قد بدأت تتآكل فها هي مؤسسة أوروبية، على قدر رفيع من المصداقية والاحترام تتقدم لتضع النقاط على حروف السلوك الإسرائيلي في الأراضي المحتلة.
ما أقدمت عليه منظمة الأكاديميين في بريطانيا، هو موقف شجاع وأخلاقي، يحسب لها ويعزز رصيدها. وكذا هو موقف منظمة عمال جنوب افريقيا.
لكن ذلك بداية. ومثل كل بداية، يحتاج إلى تزخيم وتعميم. ولا يكون ذلك إلا بالاحتضان والتنسيق من أجل رفده والاستقواء به، في آن. وبطبيعة الحال لا تستوي ملاقاة هذه الصحوة لتعزيزها والاستفادة منها طالما بقي التشرذم على حاله في الساحة الفلسطينية؛ ناهيك بالاقتتال. فإذا كان المطلوب من الآخرين أن يتضامنوا ففي اقله على الفلسطينيين والعرب امتلاك الجدارة لتوظيف هذا التضامن في الوجه السليم.