للولوج إلى أي مقاربة في موضوع قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1757 الخاص بمحاكمة المشتبه بهم في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري، لا بد أولاً من تثبيت حقيقة منهجية، بدونها سيبقى جانب كبير من المشهد السياسي في المنطقة العربية يكتنفه الغموض و يشوبه الكثير من علامات الاستفهام الحيوية حول الأسباب الحقيقية الكامنة وراء موقف المجتمع الغربي في هذه القضية و إصراره على المضي بها قدماً حتى تتكشف أسرار قصة هذه الجريمة المعلنة، علماً بأنها ليست الأولى .
و لن تكون الأخيرة، التي تستحق كل هذا الاهتمام، الذي يبدو مبالغاً فيه أحياناً لأن أحداً لم يلحظه في جرائم أخرى لا تقل شأناً و لا أهمية عن هذه الجريمة، التي ما كانت لتحظى بهذا القدر من الرعاية لولا ما يطمح الغرب إلى تحقيقه من وراء كل هذا الاصرار اللافت على كشف هوية مرتكبيها و محاكمتهم أمام محكمة دولية بعيدة عما يدور عادة في أروقة الدوائر القضائية في بلدان المنطقة عموماً و في لبنان خصوصاً.
تلك الحقيقة لا تخرج بأي حال من الأحوال عن دائرة مطمح الولايات المتحدة في إعطاء دفعة جديدة لمشروعها الذي أطلقت عليه اسم مشروع الشرق الأوسط الكبير، الذي يعتبر بدوره امتداداً لمشروع الشرق الأوسط الجديد، الذي أطلقه شيمون بيريز على شكل كتاب في مطلع تسعينات القرن الماضي، ضمن حملة صهيو ـ أميركية تهدف إلى تطبيع وجود الدولة العبرية في المنطقة العربية.
و يأتي القرار 1757 بصيغته الحالية، تحت البند السابع المخصص للقضايا التي تهدد السلم و الأمن الدوليين، ليشكل اختراقاً أميركياً هائلاً باتجاه تجسيد فكرة مشروع الشرق الأوسط الكبير ذاك، الذي يهدف أولاً و أخيراً إلى تنحية الصراع العربي ـ الإسرائيلي جانباً و تصفية القضية الفلسطينية و دمج الكيان الصهيوني في المنطقة و تطبيع علاقاتها مع بلدانها .
و ذلك عن طريق إحكام قبضة الولايات المتحدة على المنطقة من خلال محاولة تركيع ما بات يطلق عليه قوى الممانعة فيها، التي ما عاد خافياً على أحد أنها تتمثل في سوريا و إيران و حزب الله في لبنان و حركة حماس و عدد من الفصائل الأخرى في فلسطين، فضلاً عن فصائل المقاومة العراقية طبعاً.
و ما من شك بأن القرار 1757 يعد مرحلة تاريخية نوعية جديدة كليا في تاريخ لبنان و المنطقة عموماً، لا بل إنه يتخطى بنوعيته كل تلك الأحداث التي تخللتها الحرب الأهلية اللبنانية، التي يحددها البعض زمنياً بين عامي 1975 و 1990، رغم أن الحقيقة هي أنها بدأت قبل ذلك التاريخ بوقت طويل و لا تزال دائرة رحاها حتى تاريخه في ظل غياب أي أفق حقيقي قادر على وضع حد لمعاناة الناس في هذا البلد العربي، الذي تجاذبته الرياح الطائفية والإقليمية و أدمت قلوب أبنائه على مر العقود الماضية.
فإذا كانت عملية تدمير العراق الممنهجة، بإمكانياته و قدراته الحالية و المستقبلية، قد تمت انطلاقاً من قرار أعرج لمجلس الأمن، فإن عملية تدمير لبنان و محاولة جرجرة بلدان أخرى لها تقوم على إجماع دولي أكثر تماسكاً و اتساعاً بعد التقارب الفرنسي ـ الأميركي الملحوظ و وصول العديد من قوى اليمين و يمين الوسط إلى السلطة في أوروبا.
الأمر الذي يوفر أرضية خصبة للمضي قدماً بالمشروع الأميركي في غير مكان في العالم عموماً و في المنطقة العربية، التي لا حول لها و لا قوة، على وجه الخصوص، إذ يقدم القرار 1757 لبنان و محيطه لقمة سائغة على طبق من ذهب للمتعطشين من الغربيين لقضم ما تبقى من الكعكة العربية المتداعية، التي لطالما أسالت لعاب الكثير من قوى الاستعمار بشكليه القديم و الحديث على حد سواء.
لكن و على الرغم من قتامة هذا المشهد السياسي بحد ذاته، إلا أن ما يزيده قتامة و يدعو إلى القلق بصورة حقيقية إنما يكمن في واقع أنه إذا كان النظام الرسمي العربي قد بدا عاجزاً عن التصدي لمشاريع عدوانية من هذا النوع فالسؤال المطروح بقوة يتعلق بمسؤولية مؤسسات و أطر المجتمع الأخرى في لعب دور باتت بلدان المنطقة في أمس الحاجة إليه، لما قد يعنيه هذا الدور على صعيد إمكانية سد الخلل الحاصل في ميزان القوى، الذي يجمع بين البلدان العربية و القوى الغربية عموماً و في مقدمتها الولايات المتحدة على وجه الخصوص. فإلى متى سيستمر هذا التدخل الأجنبي السافر في الشأن العربي و هل كتب على أبناء هذه المنطقة العيش في ظل استعمار لم يتغير مضمونه منذ فجر الاستقلال و إن اختلفت أشكاله؟