مسألة العلاقة بين الأصالة والمعاصرة والتي تثور بين الحين والآخر كلما لاحت محاولة لفريق إحداهما للطغيان على الأخرى مسألة أصيلة ومتجددة في الحوار الثقافي والسياسي بين المفكرين على مدى أجيال متعاقبة، وقد تبدو على كثرة تناولها من جيل إلى جيل وكأنما فقدت مبرر الحديث عنها، لكنها مسألة مستمرة كلما لاح جديد يسعى ليكون البديل، أو يبحث عن تأصيل، أو كلما جمد دعاة الأصالة عند التقليد ورفضوا التجديد.

والطبيعي أن كل الأحياء والأفكار والأشياء فيها الجوهر الثابت والمظهر المتغير، يبقى الثابت فيها هو الأصل والمتغير فيها هو الفرع أو الشكل القابل للتجدد ومواكبة العصر، في الدين مثلا المبادئ والأركان والعقيدة والعبادات هي الجوهر الثابت، بينما أسلوب ووسائل الخطاب الديني وبعض أشكال أو أحكام المعاملات المتغيرة بتغير ظروف المكان أو اختلاف الأحوال مع تجدد الزمان وفقا للمصالح المرسلة هي القابلة للتجديد.

مسألة الأصالة والمعاصرة يثور النقاش حولها بين ثلاث رؤى.الأولى يقودها دعاة التجديد والتحديث والعصرنة باستهداف مواكبة متغيرات العصر ولو على حساب الثوابت الدينية والذين يقع بعضهم في شرك الخلط بين التحديث والتغريب والوقوع تحت أحكام الواقع المتغير، لا تشكيل الواقع بما يتلاءم مع أحكام الدين.

والثانية يقودها دعاة التقليد باستهداف الحفاظ على نقاء الدين دون تحريف، ولو تجاهل ذلك متغيرات العصر وتحولات المكان على قاعدة عدم الابتداع لأن من يُحدث في الدين أمرا ليس فيه فهو رد، وأنه لن يصلح الأمة في حاضرها إلا بما صلح به أولها، وقد يقع بعضهم في شرك الجمود في فهم علاقة النص الثابت بالواقع المتغير.

والثالثة يقودها تيار متوازن يقوم على صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان وبالتالي عليه احتواء كل جديد صالح لمتغيرات العصر، وينظر للأمر بعينين اثنتين، عين حارسة على الحفاظ على ثوابت الدين وإبقاء جوهره نقيا، وعين مفتوحة على متغيرات كل عصر ومصر واستنباط الأحكام الإسلامية الجديدة للتعامل معها وفقا للثوابت الدينية.

لكن بعض المتطرفين اللادينيين الذين يتخفون في قميص الليبرالية الجديدة أو العلمانية أو الديمقراطية خصوصا عندما يتصدون للحديث عن علاقة الدين بالدولة أو عن علاقة الدين بالإرهاب في محاولة لتشويه الدين، أو لمحاولة ربطه بالإرهاب لا يسيئون للإسلام بقدر ما يسيئون إلى أنفسهم كشهود زور على المفاهيم الصحيحة للديمقراطية وللعلمانية ولليبرالية معا .

وأيا كانت الرؤية تجاه كل منهما بالإيجاب أو بالسلب في نظرنا أو نظر غيرنا، فإنهما كتلاميذ للمدرسة السياسية الغربية التي أنتجت بظروفها وطبيعة مكوناتها الثقافية والتاريخية هذه المدارس في الفكر والسياسة إنما يحاولون المبالغة في التماهي معها للظهور بمظهر المجددين بينما هم بهذا رقصوا على السلم إذ فقدوا هويتهم الأصيلة ولم يكتسبوا هوية غيرهم.

واللافت للنظر أن من يدعون إلى إقصاء الدين عن الحياة باسم العلمانية، وإلى حرمان الجماهير من حقها الثابت في اختيار نظامها السياسي بمرجعية إسلامية في انتخابات ديمقراطية باسم الديمقراطية كما حدث في فلسطين وتركيا والجزائر وفي عدد من البلاد العربية تحت شعار إنقاذ الديمقراطية، لم يفعلوا شيئا سوى أنهم يعلنون إفلاسهم الفكري والسياسي معا بالانقلاب على ما يرفعون من شعارات، إذ كيف يمكن لعاقل أن ينقذ الحرية التي تقول بها الليبرالية والعلمانية من الحرية، أو أن ينقذ الديمقراطية من الديمقراطية ؟!

لقد اكتفوا بترديد حلول لمشاكل تاريخية أوروبية سابقة ليست لدينا، وروشتات لعلاج أمراض لغيرنا، وبترويج أفكار قديمة فقدت الصلاحية لم ينتجوها وإنما رددوها بعدما عفا عليها الزمن، فلم يقدموا شيئا سوى إثارة الجدل وصنع المشكلات أكثر من وضع الحلول، وهو الأمر الذي لا يمكن أن يتم إلا بثمار لأفكار أو أشجار نمت وامتدت جذورها برعاية مواطنينا في أرضنا وزماننا ومكاننا.

ولا تمنعها خصوصيتها الحضارية و شخصيتها المدنية من الاختلاف أو الاتفاق مع الآخر بما يتفق مع ثوابتها المبدئية التي لا يمكن أن تتعارض مع ضروراتها المصلحية بتحاور متفاعل يعطي ويأخذ في غير عقد أو تعصب مع أفكار وثمار من خارج هذه الأرض .

إن العلمانية في الأصل لا تعادي الدين ولكنها تعارض حكم رجال الدين، ونشأت في ظل صراع بين سلطة الكنيسة وهو ما سمي بـ «السلطة الدينية» ويمثلها «البابا»، وبين سلطة الحكم التي يمثلها «الإمبراطور» وهو ما عرف بـ «السلطة الزمنية»، وأنتجها سياق أوروبي ومسيحي مختلف عن السياق العربي والإسلامي الذي ليس له «بابا» وليس فيه «رجال دين» ولا يعرف «الكهنوت».

وفي حين ظهرت العلمانية كتيار فكرى ينحاز إلى السلطة الزمنية و يعارض السلطة الدينية، أي تحديدا سيطرة «رجال الدين» في مؤسسة الكنيسة على السلطة السياسية بالحق الإلهي وليس بإرادة الشعب حتى لا تتحول إلى دولة دينية كهنوتية وليست بطبيعة مدنية، فإنها في الوقت ذاته تدعو إلى الفصل بين الدين والحكم لا بين الدين والحياة، وتتخذ موقف الحياد ـ لا العداءـ بين العقائد فلا تعارض حق المواطنين في حرية اختيار عقائدهم الدينية أو الفكرية كواحد من أهم الحقوق المدنية للمواطن .

بينما نشأت الديمقراطية كآلية سياسية يونانية لتوسيع مشاركة المواطنين للحكام في صنع القرار وفقا لإرادة الشعب مباشرة في «أثينا» ونيابية فيما بعد أثينا، وهي بشرعية إرادة غالبية الشعب لا تمنع حق المواطنين في اختيار عقائدهم الدينية وتوجهاتهم الفكرية وحقهم في اختيار وصياغة نظامهم السياسي بأية مرجعية يتفق عليها الناخبون دينية كانت أو علمانية أو لا دينية وفقا لنتائج صندوق الانتخاب حيث السلطة يجب أن تكون للشعب بلا وصاية من حزب أو نخبة أو فرد.

ولكن السياق المعاصر في العالم العربي والإسلامي يختلف عن السياق التاريخي الأوروبي المسيحي، حيث يرى العلماء أن الدولة الإسلامية التي تقوم على الشورى وليس على الاستبداد ليست دولة دينية بل دولة تستجيب للمرجعية الإسلامية لغالبية المواطنين ووفقاً لإرادتهم، وليس في الإسلام رجال دين وإنما علماء دين، وليس في الإسلام سلطة دينية ولا حكم مفروض على الناس وهم له كارهون فالحاكم يختار بالبيعة أي الموافقة العامة، ويخلع بسحب العلماء للطاعة و للثقة فيه إذا خرج عن شرع الله أو خالف رأي ما أجمعت عليه الأمة.

ويرى العلماء أن مشكلة الخوف من الإسلام أو العداء للمسلمين إنما هي نتيجة للجهل بالإسلام لأن الناس أعداء لما جهلوا.إن الإسلام الذي يدعو المسلمين إلى التآخي بين الرسالات السماوية وإلى تحريم الظلم والمساواة بين البشر، وتجريم الطغيان، وإلى إرساء الحق والعدل بين الناس كافة وإلى نشر السلام الذي هو أحب أسماء الله إليه، والذي يأمر المسلمين بألا يعتدوا حيث لا عدوان إلا على الظالمين.

والدين الذي شرع الجهاد فقط للدفاع لرد المعتدين الظالمين ويحرم العدوان على الأبرياء المسالمين ويجرم ترويع وإيذاء الآمنين والمعاهدين يجعل ظاهرة الخوف من الإسلام أو العداء للمسلمين التي تظهر أعراضها بين بعض المثقفين والسياسيين ظاهرة مرضية.ويرى أن ارتكاب الإجرام باسم الدين أو محاولة ربط الإرهاب تعسفا بالدين هو انعكاس لحالة الجهل بصحيح الإسلام سواء من المتطرفين الدينيين أو من المتطرفين اللا دينيين، أيا كانت المسميات والشعارات المرفوعة أصلية أم منسوخة.

mamdoh77t@hotmail.com

كاتب مصري