بدءاً من المطالبة بضبط العمل الخيري ومراقبة الأموال والتبرعات للتأكد من وصولها إلى مستحقيها، ومروراً بالعمل على ضبط المنابر الدينية المكفّرة للمخالفين في المذهب والطائفة، وإبعاد الخطباء الذين حولوا منابر بيوت الله لترويج أجندة سياسية وحزبية وشخصية، وضبط مكبرات الصوت الصارخة التي تسبب أذى وإزعاجاً لقطاع كبير في المجتمع، ومراقبة المواقع الأصولية الدينية التي تبث الكراهية والعداء وتسمم الأفكار وتدفع بعض شبابنا إلى السلوك العدواني ضد مجتمعاتهم وحكوماتهم .
وكذلك ضبط الأشرطة الدينية التي توزّع حِسبة في سبيل الله والكتيبات الدينية المجانية المنتشرة في كل مكان وانتهاء بالمطالبة بضبط فوضى الفتاوى الدينية التي تنهمر على الناس يومياً من كل جهة ومنبر وموقع وصحيفة وفضائية وحتى على شاشات المحمول، تلاحقك تلك الفتاوى طوال يومك، في حركاتك وسكناتك وكيف تنام؟ وكيف تحلم؟! ولن تستطيع أن تكون بمنأى عنها حتى في دخولك الحمام وكيفية جلوسك.
لقد تحوّلت (الفتاوى) إلى ظاهرة مقلقة للمجتمعات الإسلامية وأصبحت تثير اشكاليات عديدة سياسية واقتصادية واجتماعية وفكرية وعلمية وطبية وفلكية لأن المفتي يرى أن من حقه ـ بل واجبه ـ أن يفتي في كل شيء، في السياسة والاقتصاد، في العلاقات الدولية والجهاد، في الطب والرياضة والفلك، في العلاقات الاجتماعية والتربية والإعلام، أصبح الشيخ المفتي يحكم في طول ثيابك ولحيتك.
وفيما تلبسه زوجتك وبناتك! وكيف تربي أولادك! المفتي هو العالم بأحوال الإنس والجن وتسلّطهم على البشر!! عنده علاج المس الشيطاني والسحر والعين والحسد والوسواس، لا يكاد المفتي يفارق الإنسان المسلم في حله وترحاله، وهو الذي يحكم على البشر ويحدد مصيرهم ويقرر من يدخل الجنة والنار!!
لقد أصبح المفتي هو المرجع الأول لمجتمعاتنا في كافة قضاياها وأصبحت ثقافة الفتوى هي الغذاء اليومي لنا كما يقول عبدالمنعم سعيد. وأنت لو نظرت لن تجد أمة على وجه البسيطة مثل المسلمين يحكّمون مشايخهم في كل صغيرة وكبيرة من أمور حياتهم الدنيوية وهذا مع تنبيه الرسول عليه الصلاة والسلام لنا بأننا الأقدر على معرفة شؤوننا من المفتي.
ولكن تأبى مجتمعاتنا إلا أن تلجأ للشيخ المفتي طلباً للحل الديني السهل، تهرباً من المسؤولية. وركوناً إلى الكسل وعدم إعمال العقل في التوصل إلى حلول علمية وعملية للقضايا المجتمعية كما تفعل كافة شعوب الأرض. وذلك هو العقبة الأساسية في طريق تنمية المجتمعات العربية وتقدمها لأن الحلول الفقهية القديمة لن تقدم حلاً نافعاً لمجتمعاتنا المعاصرة.
لقد أقلقت ظاهرة الفتاوى العبثية المتفشية، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت، فعقدت مؤتمراً حول (منهجية الإفتاء في عالم مفتوح) تداعى إليه بعض كبار علماء المسلمين من أجل ترشيد عملية الإفتاء، ووضع ضوابط لها، وإيجاد ميثاق شرف يقتدي به أهل الإفتاء، وهو مجهود محمود لكنه لن يعالج شيئاً ولن يحد من تلك الفتاوى الفوضوية، ومهما كانت التوصيات اللازمة، لسبب بسيط، هو أن أزمة الفتاوى مظهر من مظاهر الخطاب الديني العام المأزوم ولن يجدي علاج العرض دون الأصل المعلول.
الخطاب الديني العام يعاني عللاً عديدة ومزمنة وهي علل بنيوية متأصلة ترتكز على فكر (الكراهية) للآخر المختلف، وما لم تفكك هذا الفكر ونتغلب عليه نحو خطاب ديني يحتضن الإنسان لأنه إنسان كرّمه خالقه وكفل له كافة حقوقه قبل أن يكون مسلماً أو غير مسلم وقبل أن يكون ذكراً أو أنثى فإنه لا أمل في ترشيد الفتاوى، وستشقى مجتمعاتنا بها طويلاً، وكل الحلول المطروحة غير علمية وغير عملية، كفكرة (المفتي العام) .
أو (مجمع الإفتاء العام) أو (الاجتهاد الجماعي عبر المجامع الفقهية)، وضررها أكبر من نفعها لأنها تحد من حرية الفكر والبحث والرأي ولأن الاختلاف هو الموّلد للاجتهاد، ولأنه لا (بابا) عندنا، فلا يمكن جمع الناس على رأي أو فتوى ولو كانت الفتوى واحدة لما تحررت الكويت!! ويجب أن نؤمن باستمرار أن الاختلاف رحمة، وأن المفتي مثاب، وإن أخطأ شريطة ألا يحرض على العنف وتكفير المخالفين له ويصادر حريات الآخرين في أن يواجهوه ويردوا عليه ويوضحوا خطأه.
لقد ذهب ضحية (فتاوى الجهاد) في العراق آلاف الشباب الذين هلكوا، وبقي أصحاب تلك الفتاوى هم وأولادهم يجمعون متاع الدنيا ينعمون بها، وهؤلاء في تصوري آثمون.
لنتساءل الآن: لماذا فوضى الفتاوى وانتشارها؟! والجواب ببساطة لأن مجتمعاتنا قد أدمنت الفتاوى، وكأي سلعة خاضعة للعرض والطلب، إذا اشتد الإقبال عليها ارتفع سعرها ودخل سوقها الكثيرون. وهذا أساس المشكلة ونحن لن نستطيع أن نمنع المفتي أو الفقيه من أن يقول رأيه إذا طلب منه وليس من حقنا ذلك .
وإلا هدمنا قاعدة الحرية، لكننا نستطيع توعية وتوجيه مجتمعاتنا نحو تحمل مسؤولية التفكير بنفسها في أمور حياتها بدون الحاجة للرجوع إلى المفتي إلا في الأمور الفقهية الدقيقة (التخصصية)، إن المرء ليحار ويعجب لأمة دينها يقوم على اليُسر ورفع الحرج، وقرآنها ميسّر للفهم والذكر، ورسولُها يقول (الحلال بينّ والحرام بيّن) ويجعل معيار الحرام (ضمير المسلم) نفسه حين قال: «والإثم ما حاك في صدرك وخشيت أن يطلع عليه الناس» ما حاجة مثل هذه الأمة للرجوع للمفتي في كل صغيرة وكبيرة؟!
ما حاجة المسلم للمفتي وقد أرشده الإسلامي لقاعدة ذهبية (أن الأصل في الأشياء هو الإباحة) أي أن حكم كافة الأطعمة والمشروبات وكافة التنظيمات المجتمعية وسائر التصرفات والمعاملات التجارية وجميع العلاقات الاجتماعية والدولية، هو (الحِلّ) أي الإباحة وأن المحرَّم هو استثناء من القاعدة؟! فلماذا ترجع مجتمعاتنا للمفتي وما يقارب من (95%) من شؤونها قائمة على الحل والإباحة؟!
كاتب قطري