أجدني بين الفينة والأخرى في شوق إلى هجر السياسة ومواكبة أحداثها وتتبع تطوراتها، ويكون ملاذي في هذه الأوقات الثقافة أنهل من معينها شعراً ورواية ومسرحاً ونقداً. والحق أن الثقافة ذخيرة لا بد للكاتب في أي شأن التزود منها ليكون قلمه طوع فكره وليسهل عليه تسطير ما يجيش في صدره من آمال وما يراود خياله من أفكار. وهي فوق هذا وذاك ترقي الإحساس والتذوق، وتوسع دائرة الخيال والتأمل، وتشبع نواحي جمالية في نفس الإنسان فهي تكثف مواقف الحياة بصورة فنية، حيث تبعدها عن التصوير المباشر الذي يفقدها معناها الجمالي في حالة السرد العادي.

ومنذ بضعة أيام، وقد أزف الفصل الدراسي الجامعي الثاني بجامعة الكويت على الانتهاء، استللت من أرفف مكتبتي أحد الكتب التي تتحدث عن الشعر العربي، كنت قد تفحصته على عجالة قبل أكثر من سنة وتركته على أمل اقتناص الفرصة كي أتوفر على قراءته بروية. وقد لاحت الفرصة قبل أيام، وهي أيام تفصلنا عن الامتحانات النهائية. والكتاب بعنوان: الشعر العربي وطوابعه الشعبية على مر العصور للمرحوم الأستاذ الدكتور شوقي ضيف، الذي درس بجامعة الكويت لبضع سنين ابتدأت من العام 1970، وكانت الجامعة آنئذ في مراحل نشأتها الأولى.

وفكرة الكتاب قد أتته حينما دعته جامعة الرياض - أظن أن اسمها قد تغير الآن - في مارس من العام 1973 لإلقاء محاضرة بها وإجراء حوار مع أساتذتها وطلابها المتخصصين في المادة. أما لماذا اختار موضوع الطوابع الشعبية للشعر العربي بعصوره المختلفة بدءاً من العصر الجاهلي ومروراً بصدر الإسلام فالدولة الأموية والعباسية والدويلات الأخرى إلى العصر الحديث، فإنه يصرح به تصريحاً لا لبس فيه بقوله:

حتى أصحح الرأي المخطئ الذي شاع على ألسنة كثيرين، والذي يزعم أصحابه أن شعراء العربية كانوا بمعزل عن شعوبهم، فهم يتغنون بأشعارهم للطبقات العليا فيها فحسب،معرضين كرامتهم لغير قليل من الهوان في سبيل ما يبتغون من العيش والكسب والمكانة لأنفسهم... وإن هذا الشعر كان تجارة مربحة تقدم لطبقات أرستقراطية، دون أن يفصح عن أحاسيس الشعوب العربية وما عاشت من ضنك وضيق في بعض الأزمنة.

ويندفع شوقي ضيف في تبني مسلمة تحتاج إلى كثير من البحث والتقصي في الأخذ بها وهي أنه رغم ظهور اللهجات العامية في العصور المتأخرة فقد ظل الشعر الفصيح هو الذي يترجم عن مشاعر الشعوب العربية وأحاسيسها المختلفة، في حين انحاز الشعر العامي - منذ ظهوره - أزجالاً وغير أزجال إلى الفكاهة والهزل. !! والفصحى هذه - وهي لغة قريش - قد سادت في الجزيرة العربية قبل مجيء الإسلام، ودليل مؤلفنا على ذلك كما يقول: إننا نجد شعراء الحجاز في مدنه وبواديه، وشعراء نجد وطيئ وغسان وقضاعة في الشمال، وشعراء شرقي الجزيرة في عبد قيس وتميم وبكر وتغلب والعباديين سكان الحيرة وشعراء اليمن، كل هؤلاء ينظمون أشعارهم بلغة واحدة هي الفصحى.

ويعرض شوقي ضيف عن الأخذ برأي أستاذه طه حسين في الشعر الجاهلي بوصفه شعراً تم انتحاله في العصر الإسلامي بالرغم من أن شوقي ضيف قد تتلمذ على يديه، حيث درسه في سنته الأخيرة بكلية الآداب جامعة القاهرة ( جامعة الملك فؤاد سابقاً ) في العام 1935. وهو الذي أيضاً، أشرف على رسالة الدكتوراه التي حاز عليها في يناير من العام 1942. وهذا يبين مبلغ ديمقراطية طه حسين ونفوره من الاستبداد برأيه.

ولما كان مراد الدكتور شوقي ضيف بيان أن الشعر العربي لم يكن لساناً لعلية القوم فحسب، بل كان صوتاً يلهج به عامة الناس، وأن الشعراء لم يكونوا مجرد أبواق للسلطة، بل كانوا أيضاً لساناً للمعارضة، فإنه من أجل ذلك كثيراً ما استخدم لفظ «الشعب» بمدلوله الحديث بدلاً من إيراد اللفظ المتداول في تلك الحقبة وهو العامة أو العوام في مقابل الخاصة أو الخواص.

وقد عبر الشعر العربي عما كان يجيش في صدر عامة الناس من صنوف الأحاسيس في مختلف مراحل التاريخ العربي، كالمدح والهجاء (أو قل النقد) والغزل بشقيه العفيف والمبتذل، والحماسة والرثاء والزهد والفخر والشكوى وغيرها. وفي صدر الإسلام ومع بروز الأحزاب، فقد انقسم الشعراء إلى شعراء الدولة أو السلطة وشعراء المعارضة.. وكان الشعراء التابعون لحزب الدولة كثيرون، وكانت الدولة تنثر عليهم أموالها نثراً. وأبرز هؤلاء في عصر الدولة الأموية الفرزدق وجرير والأخطل، تمعن كيف يزين جرير الأمر للقائمين على الدولة بقوله:

ألستم خير من ركب المطايا

وأندى العالمين بطون راح

ولم تخل الساحة من شعراء للمعارضة وأحزابها، فهذا شاعر اسمه ابن قيس الرقيات يتكلم باسم حزب الزبيريين ( نسبة إلى عبد الله بن الزبير ) وذاك الكميت يدافع عن الشيعة، وهذه أم حكيم وزوجها قطري بن الفجاءة يصدحان بموقف الخوارج. وظل الأمر كذلك في العصور الإسلامية التالية. وبالطبع لم يشغل الشعر السياسي إلا جانباً ضئيلاً من اهتمامات العامة، في حين كان هؤلاء يطربون لشعر الغزل، الذي يضرب بجذوره في وجدان الإنسان، ولم يكن تذوق مثل هذا الشعر قاصراً على علية القوم وهم في قصورهم حيث يتغنى بمثل هذا الشعر المغنون، بل كان دارجاً بين عامة الناس لما يمثله من فطرة إنسانية. ألا تطرب أبات الشاعر يزيد بن الطثرية النجدي كل ذي قلب:

ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد

لقد زادني مسراك وجداً على وجد

وقد زعموا إن المحب إذا دنا

يمل وأن النأي يشفي من الوجد

بكل تداوينا فلم يشف ما بنا

على أن قرب الدار خير من البعد

ويذهب الدكتور شوقي ضيف في غير موضع من كتابه إلى القول بأن الفقهاء لم يكونوا بعيدين عن تناول أشعار الغزل العفيف (أنظر ص 117 على سبيل المثال وليس الحصر) مما يدل على ما وصلت إليه الحياة في عصور الإسلام الزاهية من تسامح ورقي.

وقد صور الشعراء«الشعبيون» بلغتنا الحديثة وشعراء «العوام» باللغة القديمة الحياة القاسية التي كان يحياها السواد الأعظم من الناس في ذلك الوقت وما كانوا يكابدونه من شظف العيش. فهذا هو الشاعر الأحنف العكبري ( من العراق ) يشكو الفقر والتشرد والوحدة، حاسداً العناكب والخنفساء علي ما تنعم به من مؤيً تؤوي إليه:

العنكبوت بنت بيتاً على وهن

تأوي إليه ومالي مثله وطن

والخنفساء لها من جنسها سكن

وليس لي مثلها إلفٌ ولا سكن

وحديث الشعر وطوابعه الشعبية يطول، وقد تكون لنا وقفات أخرى كلما سنحت الظروف.

كاتب كويتي

salyusefi@hotmail.com