«اطلبوا العلم ولو في الصين».هذه الحكمة العتيقة الخالدة يتجدد مغزاها الآن على لسان عالم غربي في سياق نصح يسديه إلى القيادات الإفريقية. فهو يستحث هذه القيادات على الاقتداء بتجربة الصين التنموية وتجاهل نصائح «البنك الدولي» المستوحاة من مبدأ «اقتصاد السوق الحر»، أي النظام الرأسمالي.

البروفسور جيفري ساش أستاذ الاقتصاد في جامعة كولومبيا الأميركية عاد للتو من العاصمة الصناعية الصينية شنغهاي، حيث كان من المشاركين في مؤتمر اقتصادي استضافت فيه الحكومة الصينية أعضاء «بنك التنمية الإفريقي».

ابتداء يعبر البروفسور عن إعجابه بمنطقة «بودونغ» الواقعة داخل شنغهاي والتي عقد فيها المؤتمر المشترك قائلاً: إنها خير شاهد على الطفرة الصينية العملاقة. فبعد أن كانت أرضاً فضاءً منذ عقد زمن واحد فقط فإنها تحولت الآن إلى مركز مزدهر لناطحات السحاب والفنادق الفخمة والمتنزهات والتصنيع والامتدادات الشاسعة من بنايات الشقق السكنية، ذلك أن شنغهاي تشهد نمواً اقتصادياً بلغ إجمالاً نحو 13% سنوياً.

وهو معدل قياسي إذا استذكرنا أن معدل نمو الاقتصاد الأميركي لا يتجاوز 5 ـ 6% في أفضل الأحوال. ويقول البروفسور ساش إنه في كل بقعة من شنغهاي ثمة شركات جديدة وأفكار إبداعية، وإذا كانت شنغهاي تعكس نموذج النهضة التنموية الصينية العملاقة فما هو السر؟ إنه إعطاء الأولوية الأولى للزراعة والبنية الأساسية، وليس خصخصة البنى الأساسية بما في ذلك قطاعا الصحة والتعليم، وهو في الحقيقة ليس سراً. فهذا هو الشعار الاقتصادي الأساسي الذي كان يبشر به ماوتسي تونغ منذ قيام جمهورية الصين الشعبية.

الثورة الصينية الماوية استولت على السلطة في عام 1949. آنذاك كانت هناك دول عربية نالت استقلالها للتو ودول عربية أخرى كانت مستقلة قبل ذلك التاريخ وأخرى استقلت بعده ببضع سنوات، ولكن الآن: أين الصين، وأين الدول العربية؟

يقول البروفسور الأميركي إن الرسالة الصينية من خلال مؤتمر شنغهاي هي أن الصين على استعداد لمساعدة إفريقيا بصورة ملموسة في مجال الزراعة ومجالات الطرق البرية والتوليد الكهربائي والصحة والتعليم ـ الركائز التي بدونها لن تقوم للتنمية الاقتصادية قائمة.

ويعلق البروفسور قائلاً: إن نجاح النموذج الصيني يبين لنا ما يرتكب البنك الدولي من آثام تجاه البلدان الإفريقية. ذلك أنه عوضاً عن أن يساعد البنك هذه البلدان في تطوير البنى الأساسية فإنه يرغمها على خصخصة ما لديها بالفعل من بنى أساسية، مما ينتهي بها إلى طريق الإفلاس الشامل ويزيدها فقراً على فقر.

والسؤال الذي يطرح هو عما إذا كانت القيادات الإفريقية تملك إرادة سياسية للاقتداء بالنموذج الصيني أم تواصل الخضوع لمؤسسة «دولية» تدميرية تخضع بدورها لاعتبارات الأجندة الدولية للولايات المتحدة؟