ضاق الميدان التربوي ذرعاً بتدخلات مسؤول كبير في وزارة التربية والتعليم في أمور هي من صميم اختصاصات المناطق التعليمية وإدارات المدارس، حتى أصبحت جهات الاختصاص لا تستطيع أن تشك الخيط في الإبرة بل حتى وإن فعلت فإن سرعان ما تأتيها أوامر عليا من القيادي تطالب بتنفيذ ما يأمر به بغض النظر إن أضر بالتربية والتعليم وأحيانا بالقانون.
التدخلات تجاوزت المخالفات الإدارية، وتعدت الصلاحيات التي منحها الوزير للميدان ليدخل في نطاق التسويف ودائرة التعسف بحق أناس لا ذنب لهم سوى أنهم أدوا ما عليهم من واجبات ولم يراعوا خصوصيات يرى «المسؤول» أنها لا بد أن تؤخذ بعين الاعتبار. لن أخوض كثيرا في كم التجاوزات والمخالفات التي ارتكبها هذا القيادي، لكن لا أجد بدا من ذكر بعضها لأنها تضر بمصالح «مساكين» يعملون في التربية أوقعهم حظهم العاثر في طريقه ولا يملكون حيال أوامره التي تتنافى كليا مع أبسط قواعد المسؤولية حولاً ولا قوة.
ونشدد كثيرا على كلمة الصلاحيات، ونضعها برمتها بين يدي الوزير لكي يعير شكاوى الميدان، من هذا الشخص، الاهتمام كله، ويكبح جماح تجاوزاته التي فاقت التحمل وليلقن الجميع درسا في الالتزام، وأن القيادة لا تعني بأي حال مخالفة القوانين والقرارات، بل أن «الكبير» مطالب أكثر من غيره بالتقيد باللوائح، والصلاحيات التي منحها الوزير ليس لأحد سلبها منه أو التدخل في مجرياتها.
كما نضع بين يدي الوزير ما بدر من المسؤول تجاه تربويين في إحدى المناطق التعليمية استدعاهما إلى مكتبه في الوزارة وأعطاهما محاضرة «قوية» حول الحرية الشخصية للطلبة فيما يرتدونه من ملابس رياضة أو غيرها، ولا يحق لأحد الاحتجاج على خلفية ما حدث من مدرسي التربية الرياضية في المدرسة التي يدرس بها ابنه، وأخرجاه ضمن عدد آخر من طلبة المدرسة لعدم التزامهم بالزي. إدارة هذه المدرسة المشهود لها بالكفاءة ـ وكذلك معلموها ـ لم تعاقب الطالب المخالف بل وقفت على أسباب عدم التزامه بالزي وحين علمت أن السبب ضيقه عليه صرفت له آخر يناسب مقاسه لتقوم الدنيا ولا تقعد في وجه من أقدم على هذه «الجريمة».
المسؤول لم يكتف «بتهزيء» التربويين بل طالبهم بالعمل على إنهاء عقدي معلمي التربية الرياضية «المجرمين» - من وجهة نظره - وسط ذهول ودهشة الاثنين اللذين أصبحا في شك من سلامة ما يسمعانه!
والحق فإن مدرسة البنات حيث تدرس ابنة المسؤول هذا ليست بأحسن حال فطلبات الابنة أوامر، لا التزام بالزي ومعاملة خاصة وسط استهجان بقية أمهات الطالبات بل حتى عندما خرجت يوما من الامتحان تبكي، أجبرت المعلمة على إعادة الامتحان لها وحدها، فلابنة القيادي ما ليس لغيرها، وإلا فلتنتظر الإدارة ما يأتيها من فوق!!
لا يتوقف الأمر مع المدارس التي «شرفت» بوجود أبناء المسؤول فيها، بل الأمر ينطبق على موظفي المنطقة، فإن أقدموا على ما لا يرضيه، فليس لهم سوى العقاب، وأسهل ما يسمعه غير المواطن هو إنهاء خدماته، أما المواطن فيهدد بنقله إلى «الغربية»! وكأن الواحد أقدم على فساد «مالي» أو«إداري» أو «أخلاقي»، وهم كثر.
