الحدث العالمي لم يعد حالة تخص موقعاً ما، أو قضية ليس لها تأثير خارج مساحتها الجغرافية، والدليل أن هدم سور برلين، وانفجار (تشيرنوبل)، وانهيار أسواق العملات والأسهم في العالم، عممت سيئاتها على عدد كبير من دول العالم، وحين نتحدث عن العلاقة المتوترة بين روسيا وأميركا، حول نشر صواريخ في محيط الدولة السوفييتية القديمة، لا نعتقد أنه خارج التفاعل الحاد في سياسة البلدين وتباعدهما، لأن أميركا مثلما هي متداخلة في نفوذها في معظم دول العالم، فإن روسيا التي تحملت الإهانات بعد زوال الامبراطورية الشيوعية، ترى أن هذا التصرف يلغي وجاهتها العالمية ليس في محيطها القومي والوطني وإنما تجاه دول كانت جزءاً من منظومتها.

فأميركا موجودة في الخارطة العربية في المواقع الساخنة، والباردة، وتشعر أن مصالحها توفر لهذه الدول مصالح مماثلة، لكنها، في الواقع، جزء من مشكلة التوتر، والسبب جاء بغياب القطب الآخر، وعدم وجود البديل المنافس، وروسيا لا تزال تحتفظ ببعض نفوذها القديم سواء ببيع السلاح، أو التعاون مع دول إقليمية مثل إيران في بناء مفاعلات نووية، أو دخولها في ميادين الاستثمارات بالنفط، والتقارب مع دول الأوبك على السياسة النفطية في السوق الدولي، فهي دولة فاعلة، ومؤثرة حتى في واقع ظروفها الراهنة.

أما نقاط الخلاف بين الدولتين، فالأسباب كثيرة، لكن مخزونهما من الأسلحة النووية وحجم مساحة كل دولة، ووجود تنافس تقليدي كان حاداً أيام الأحلاف العسكرية بين الرأسمالية والشيوعية، لم تغيّب هذه الوقائع الصورة القديمة، وقد جاءت قضية نشر الصواريخ بما يشبه عودة الحرب الباردة، وسباق التسلح، وقطعاً هناك جدل حول هذا الأمر قد تجد التسوية التي ترضي الطرفين، أو تأخذ مسار المجابهة بأساليب وقواعد للعبة قد لا تكون بنفس الوسائل القديمة.

أميركا، بنظر روسيا ليست الدولة الامبريالية التي تحتكر القوة وتتسلط على الشعوب لأن هذا الشعار انتفت صلاحياته مع نهاية الحلم السوفييتي، كذلك أميركا لا تنظر لروسيا أنها الشيطان الأكبر عدو الحريات والسجن للشعوب، طالما انفتحت وأصبحت دولة ديمقراطية، بشروطها الخاصة، ورأسمالية لا تختلف كثيراً عن الدول التي تأخذ بهذا النهج، ولذلك فالخلافات لم تعد صراعاً أيدلوجياً، وإنما على النفوذ، والروس حين يشعرون أنهم دولة عظمى بمقاييس عالم اليوم، فهم ينظرون إلى مخزونهم من السلاح، والقاعدة الصناعية والبشرية إلى جانب ثرواتهم من النفط والغاز والمياه، والمعادن وغيرها، فإنهم يشكلون دولة تملك هذا التميز، لكن أميركا تقبل من ينافسها اقتصادياً وتقنياً مثل اليابان والمانيا، والصين وغيرها، لكن لا تقبل مزاحماً على القوة العسكرية، ويأتي هدف تطويق روسيا بالصواريخ جزءاً من عملية تختلط فيها الأهداف السياسية بقوة الضغط العسكري، وهو ما تراه روسيا تهديداً صريحاً لها.

في هذه الآفاق نجد أن الأثر الذي تحدثه أي خلافات بين قوى عظمى ينعكس علينا وعلى أي محيط خارجي، وتلك هي حسنات وسيئات العولمة.